ثقافة

"وبكعبي العالي.. أنام" لأفياء الأسدي..  رصد لتناقضات الحياة العراقية
تاريخ النشر: 19 يوليو 2022 9:50 GMT
تاريخ التحديث: 19 يوليو 2022 12:35 GMT

"وبكعبي العالي.. أنام" لأفياء الأسدي.. رصد لتناقضات الحياة العراقية

ترصد الشاعرة العراقية أفياء الأسدي مشاهد مختلفة من أشكال صراع الإنسان مع الحياة في العراق، بكافة التناقضات المنوطة، حيث الموت والحب وما بينهما من مشاعر متضاربة،

+A -A
المصدر: حسام معروف- إرم نيوز

ترصد الشاعرة العراقية أفياء الأسدي مشاهد مختلفة من أشكال صراع الإنسان مع الحياة في العراق، بكافة التناقضات المنوطة، حيث الموت والحب وما بينهما من مشاعر متضاربة، في مجموعتها الشعرية ”وبكعبي العالي .. أنام“ الصادرة عن دار آشور للنشر 2022.

وتلامس أفياء الأسدي في قصائدها، مشاعر الغربة الثقيلة على الإنسان، والحنين إلى الأهل والأصدقاء والأحباب، والحزن الناجم عن طرق الحياة المتعثرة.

وتراقب الشاعرة مسارات الحب في الإنسان، بما يتركه من أثر في الذات، مما يجرد الإنسان من جسد إلى مشاعر من العشق والاشتياق والخوف، واللوعة والتأمل، والاستدراج والانصياع.

وتصور الشاعرة بعضًا من مشاهد العشق بين المحبوبين، بطريقة كلاسيكية رومانسية، مشت على طريقة الشعر الواقع على التفعيلة، وأعطت لجملتها الشعرية صوت الإيقاع الخارجي والموسيقى الظاهرة، بالإضافة للداخلية، عبر استخدامها القافية في نهايات الأسطر والفقرات الشعرية.

كما أجادت الشاعرة كتابة القصائد الحرة دون القافية، في نصوصها الأخيرة من المجموعة.

2022-07-1-168

 

أسئلة
وتكثر في نصوص أفياء الأسدي الأسئلة التلميحية والاستدلالية، التي تعمل على إشعال جمرة الوعي، وتزيد من مساحة التخيل مع الجملة.

كما بدا تأثرها بموارد البيئة العربية والعراقية تحديدا، حيث كثر استخدام كلمات النخلة، النار، التمور، الماء، النبع، الشمس، النهر، خلال النصوص.

وما يميز نص أفياء الأسدي، اعتمادها السليقة الشعرية، حيث تعددت الأساليب في افتتاح النصوص وختامها، وانطلقت بجمل جهورية معتمدة على أساليب مختلفة.

كما نظمت أسلوبها الشعري عبر محاكاة الأنا، والآخر، من خلال جمل اشتملت على ضمير الأنا، وضمير الغائب، الفردي والجمعي، وغيرها من الأساليب، عبر 120 صفحة من القطع المتوسط.

حركة وصوت
أما أدوات الصوت والحركة، فبدا شِعر أفياء الأسدي، محملًا بالأصوات الإنسانية المختلفة، التي تقع في فخ التجربة، فلا تغادرها، بل تتورط في طابع تأملي يزيد من عمقها، ويرفع من قيمتها.

فامتلأت القصائد بأصوات الوجع والخوف والصراخ والهمس أيضًا، معبرة عن رحلة مثيرة للإنسان مع حوادث الحياة.

وبدت قصائد الشاعرة متسمة بالحركة، ما جعل للنص مرونة أكبر وشمولية في ملامسة حواس الإنسان.

كما وضح تأثرها بالنص الديني في عدة أماكن فمثلًا تقول: ”وجاء من أقصى المدينة وجعًا“.

ولأفياء الأسدي في ِشعرها، صوت المرأة الحالمة التي بالرغم من تعدد خساراتها، إلا أنها تقف في وجه العالم صانعة خطى جديدة مع التحليق والأمنيات، ولعل هذا ما حمله واضحًا عنوان مجموعتها الشعرية ”وبكعبي العالي.. أنام“، ولعل العنوان يحمل دلالة الحلم مع الخطر، حيث تنام المرأة بزينتها في أقصاها، حتى إذا داهمها الموت، تكون في أجمل صورها.

طعم الماء
فيما تكتب الأسدي عن ضياع فكرة الطفولة في العراق، ونهايات الطرق التي جميعها تؤدي إلى الموت هناك.

ويأتي تشبيه العراق بطعم الماء، حاملًا الغصة، ومتعمقًا في الذات العراقية، التي فقدت طعمها ولونها ورائحتها، جراء الموت والحروب.

وقد أصبحت الجنازات المضيئة التي تعلن عنها الشاعرة، هي النتيجة الأكثر وضوحًا والصوت الأعلى، والمشهد الأكثر تكرارًا هنالك.

وتحمل الصورة الشمولية للحياة العراقية في القصيدة الصوت الإنساني، بصراخه في وجه الواقع، حسرة وخوفا من المستقبل، تحمل كذلك صوت البيئة الصحراوية، حيث يتسبب المناخ في سرعة جفاف الماء وانحسار الآمال، والمناخ في هذه الصورة هو الحرب، والماء هو الإنسان الذي سرعان ما يأفل.

تكتب عن هذا أفياء الأسدي في نص ”جنائز مضيئة“:

مذ صرت
طعمك طعم الماء
يا بلد،
صرنا نجف ولا يدري بنا أحد.

كفك الحنّاء
نقشت
وانكسرت كل الكفوف
فلم تشبه يديك يد.
صرنا ندوس على جنّي فكرتنا
ونحصد الرمل،
حتى قيل: قد رمدوا
نمضي إلى البحر
تنسانا طفولتنا
نبعثر الورد.
….

ّنقلب الموت مثل الريح حين تعي

أن العصافير والأشجار ترتعد

كل الحكايات خضناها
ولم يزل الموتى يحاكوننا موتى
ولم يجدوا..
إلا ملابسنا تمشي لنا
وبدت جلودنا الصفر
لا تدري كمن وئدوا
نحن المضيئون نمشي في جنائزنا
ونحمل الليل طفلا،
نزفُه بلد.

طابور حزن العراق

وتوجه الشاعرة اللوم لساسة العراق، ملمحة خلال قفزاتها الشعرية إلى تحملهم مسؤولية الدم في العراق، وأنهم المتسببون الرئيسيون في هدر دم الشباب العراقي وضياع أحلامهم وأمانيهم.

ففي نص“ساقية عراقية“ تبدو الغصة شديدة، من خلال الوصف البليغ الذي تستخدمه الشاعرة، عبر تشبيه ”طابور حزن العراق“ الذي يعطي الدلالة إلى البؤس والحسرة، ويلمح إلى التعاقب من قبل أهل العراق على هذا الحزن.

وتزيد الشاعرة من عمق المشهد بتوصيف هذا الطابور أنه قاسم يصنع جانبين، الشعب والساسة.

وتكتب الأسدي:
يموت الشباب،
ويحيا الشباب،
ونحن بطابور حزن العراق،
نقسم نهرين.
ماء وهم،
فنشرب ماء الصراخ المراق،
ويشرب ساستنا سيل دم.

وتجسد أفياء الأسدي صوت المرأة العربية في ارتكازها المكثف على الرجل، بحيث لو غاب عن حياتها، انكسرت وتحولت إلى حطام.

ففي نص“ظل مكسور“ تبدو ملامح المرأة المكسورة، المصارعة للخذلان والخدعة، من قبل الرجل.

فبعدما كانت الأحلام هي الطريق إلى الحياة، فجأة يصبح الخوف والرعب والضعف، صفات تلك المرأة التي استسلمت بحواسها، ومسحت هويتها الذاتية، فتحولت لتابع، وبمجرد غياب قائد العربة الأولى من القطار، يكون عليه الانحراف عن المسار المعتاد، فيمضي في طريقه نحو الدمار.

والدمية في النص، هي الذاكرة، وهي الجسد المتخيل من أجل الاستمرار في تلك الدائرة، دائرة الخوف والحنين والتفريط بالحياة من أجل الشخص الراحل.

ويأتي النص بمثابة محاكاة للتجربة من أجل إعادة تقييم الذات، واجتثاث رواسب الحنين وآثاره من الجسد والروح، حتى تبدأ الحياة من جديد.

تكتب الشاعرة:

أحدّث دميتي عن قصر بالك
وأنت يقين قلب في احتمالك
أسامرها فقد شهدت ظلاما
ــ يؤاخي الظل ــ
مثلي في زوالك.

أنا مكسورة
مثل ارتباكٍ زجاجيّ على مد ارتحالك
ولي من كل موال جرى بي
ملامح وعكة أو حسن حالك

أرمم ما تبقى من خيالي

وتهدم ما تعاظم من خيالك،
ألملم كل طيفي من عيوني،
لأصنع كعكة من كل ذلك،
أتذكر كيف غنينا حبيبي،
وقلت اللحن مخطوءا ببالك.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك