ثقافة

"الجسد الذي تسلّقته يوما".. تأملات أسماء عزايزة في أنطولوجيا الموت
تاريخ النشر: 16 مايو 2022 9:53 GMT
تاريخ التحديث: 16 مايو 2022 12:45 GMT

"الجسد الذي تسلّقته يوما".. تأملات أسماء عزايزة في أنطولوجيا الموت

تقدم الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة، تأملات شديدة الخصوصية في أنطولوجيا الموت، وأثره في الذات البشرية، من خلال اخضاع الحواس للبحث المُطوّل، والمكرر، لتقاطعاته

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تقدم الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة، تأملات شديدة الخصوصية في أنطولوجيا الموت، وأثره في الذات البشرية، من خلال اخضاع الحواس للبحث المُطوّل، والمكرر، لتقاطعاته مع النفس، في مجموعتها الشعرية ”الجسد الذي تسلقته يومًا“ الصادرة عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع 2022.

وتبحث أسماء عزايزة في رحلتها الشعرية عن هيئة الموت، والصور التي يمكن أن تترجمه، أو تكون مفاتيح للوصول لأقرب نقطة منه، ليس محبةً فيه. وإنما، بهدف الاقتراب ممن فقدت، وهذه التجربة الشعرية مكثفة نبعت من فقدانها والدها خلال المرحلة الماضية.

وتقدم عزايزة تأملاتها في الذاكرة الإنسانية، والوحدة، والفراغ الوجودي. وتنقل كذلك صوت الذات في مواجهة صخب الحياة، وتكتب كذلك عن النهايات وانحسار الحب، وذهاب الصحبة في نصوص امتدت على 120 صفحة من القطع المتوسط..

الشق الآخر

والموت في طريق أسماء عزايزة الشعري، يتقاطع مع نظرة الفيلسوف الألماني هيدجر، إذ يحمل إحاطة أنطولوجية للكون، تزيد من وضوح الصورة المغبشة، أو تمسح الغبار عن الزجاجة الشفاف، لمعرفة ما يختبئ على الجانب الآخر. حتى في جانب تناهي الحياة، فإننا بجسدنا هذا، أتينا للحياة جاهزين للموت، باحثين عن الشق الآخر، الغيبي، للمعرفة الإنسانية، التي لا تتوقف عن التحرك والمراوغة.

ويأتي الميتافيزيقي دومًا كرحلة مثيرة للشعراء، باحتمالاته اللا نهائية.

تكثيف وتسريد

وتسير لغة أسماء عزايزة وفق إيقاع داخلي للنص، يصنع الإضافة الفنية، ويمنح المشهد الشعري بعده الموسيقي وصوته المنمق.

كما أن خيال عزايزة يرتبط بتراث الآباء والأجداد، والحكايا القديمة، فلطالما كان النص لديها جزءًا من الذاكرة.

وتختار عزايزة الكلمات السلسة، بتركيبات وروابط لغوية تتباين بين التكثيف الشعري، والتهييء السردي، حسبما تتطلب المشهدية الشعرية للنص.

فنجد في نص ”العودة“ مثلًا، التمهيد باللغة السردية، ومن ثم الانتقال تدريجيًا للتكثيف.

قناة اتصال

وتباينت المسافات بين حواس عزايزة وهيكل الموت المتخيل، ما بين وقوفها خارجه، أو التحامها فيه، أو تعمقعا داخله.

ففي نص ”قططٌ سودٌ ولها ذنبُ“ تقف أسماء عزايزة خارج إطار الموت، الذي يعتبر تجربة الذات الوحيدة لتفحص ما بداخله، ومحاولة كشف ما يخفيه عن الإنسان.

وبهذا الوقوف يستخدم المرء كل معرفته من أجل مواجهة السر، ونسج خيوط جديدة من الأفكار والتأويلات، قد تصنع قناة اتصال مع الميت، لكن هذا الذي تسميه أسماء عزايزة الحبكة، بما تحمله من دلالة الالتحام والجذب والغموض.

ومن الأسئلة الكبيرة في النص، والتمنى والخذلان والحسرة، يتضح التفاوت في تفوّق الماورائي على الواقعي والعكس.

ويحمل النص دلالة سير الروح نحو الأرض من جديد، فالقط الأسود، في الموروث الشعبي العربي، يحمل روح إنسان ويتمشى بها في هذا العالم.

تكتب أسماء عزايزة:

”الموت بحيرةٌ في أسطورةٍ أنا بطلتها
أحاول أن أتحسّس بعصا شوقي الطويلة قعرها

إلى متى سأظلّ حبيسة هذه الحبكة
وأنا أرجو الماء أن يريني وجه أبي؟

لا أعرف ماذا فعلتُ
حتّى مسخني الكاتب سمكة

هربت إلى أسطورةٍ أخرى
تحوّل حزني إلى يدٍ إضافيّةٍ
تبحث عن يد أبي
ونبت لي رأسٌ جديدٌ هو رأسه
ولسانٌ ثانٍ يقول الشِّعر الّذي قاله
”قططٌ سودٌ ولها ذنبُ“.

انقسام الحواس

وتوصف أسماء عزايزة حال الذات الإنسانية بعد الفقد، مقدمة هيئة الجسد الثابت، الذي تبقيه قدم واحدة ملامسًا للوجود، بهيئة الآيل للسقوط.

فتوغل قصيدة ”بقدمٍ وحيدة“ في البعد النفسي للحدث، وانقسام الحواس، نصفها نحو الموت ونصفها نحو الحياة، ويبقى الإنسان معلقًا مبتورًا يصارع أحزانه.

وتسيطر حالة الانتظار لعودة النصف الآخر، إذ تصوغ الشاعرة مشهديتها عبر استحضار طائر النُحام الذي يصبر في وقوفه على قدم وحيدة لوقت طويل.

ويتضح في النص، انفصال الجسد عن الزمكان، كأحد أعراض الفقد، في شاعرية أسماء عزايزة، حيث تكون دوامة الأفكار أعلى من أي محاولة للإمساك بالواقع، وذلك الدوار، يأخذ الإنسان بهيئة المهاجر الحزين، هجرة لا جسدية، بحيث يصبح التكوين الذاتي مجرد طيف بائس في الحياة، ينتظر نهايته.

تكتب أسماء عزايزة:
”مثل طائر نُحامٍ صبور
أقف على قدمٍ واحدة
وحيدةٍ وواجفة
وأنتظر

قدمي الثانية ركضتْ خلف أبي وقفزتْ وراءه إلى القبر

أطعمتُ أطفالي كلّ ما أملك لكن لا أدري إلى أين ركضوا

بقدمٍ وحيدة
أنتظر أن تنتهي الهجرة الّتي
تهدر تحت جلدي“.

توأمان

وتجسر أسماء عزايزة بين تجربتها في مجموعتها السابقة ”لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب“ وهذه التجربة، من خلال استهلالها لنص ”توأمان من بويضة واحدة“ بنفيها وجود الحرب في لحظتها الشعرية الآنية، لكنها تستعيد صورتها في الخيال بالرغم من أنها لا تنطق ولا تتنفس ولا تبدو كأنثى أليفة بالرغم من تأنيثها اللغوي وكأنها تريد منحها الذكورية المجتمعية المهيمنة في العالم، فلطالما كانت الاستعمار الكولونيالي يستهدف النساء كمقدمة لحربه ضد الشعوب.

وتربط عزايزة بين الموت بشراسة أثره والحرب بثقل أقدامها على الإنسان والمكان، وما يتركه كلاهما من خدوش في الذاكرة.

تكتب الشاعرة:
”أيّتها الحرب
تاؤكِ المقتلعة
الدكتاتور الّذي أنّثكِ
البغال مبطوحةٌ فوق صدركِ مثل مسدّسٍ في الرقبة
انطقي لأقول شيئًا ذا قيمة

**

جنودٌ يفتّشون الماء على الحواجز
تنخفض كلّما تقدّمتْ نحو ضفّة النهر
أغرقتُ رأسي فيها فارتطم بالأرض
شيءٌ هامدٌ في القاع
صدركِ

هكذا مات أبي. همد صدره. وكان يسمعني وأنا أحاول إيقاظه من موته
لكنّ أختي نهرتني وأنا أطرق رأسه بصوتي:
يابا يابا يابا يابا يابا يابا…“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك