ثقافة

فاطمة كرومة تفكك الثابت وتعيد تدويره في "بلا فرامل تهوي في منحدر"
تاريخ النشر: 12 أبريل 2022 12:23 GMT
تاريخ التحديث: 12 أبريل 2022 14:05 GMT

فاطمة كرومة تفكك الثابت وتعيد تدويره في "بلا فرامل تهوي في منحدر"

تقدم الشاعرة التونسية فاطمة كرومة، في مجموعتها الشعرية "بلا فرامل تهوي في منحدر"، خليطًا تأمليًا شعريًا في الذات الإنسانية والطبيعة. وتسلط كرومة في المجموعة

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تقدم الشاعرة التونسية فاطمة كرومة، في مجموعتها الشعرية ”بلا فرامل تهوي في منحدر“، خليطًا تأمليًا شعريًا في الذات الإنسانية والطبيعة.

وتسلط كرومة في المجموعة الصادرة عن دار ميارة للنشر والتوزيع 2022، الضوء على الترابطات بينهما، والتناقضات؛ بهدف تفكيك الثابت، وإعادة تدويره، عبر صور ويوميات وذكريات.

وتراقب الشاعرة الأفكار الناجمة عن تأمل العقل البشري للأحداث في الكون، منفتحة بذاتها على العالم، ومُجسّدة للتماهي بين الكيان الإنساني والحياة من حوله.

2022-04-3-28

 

وتعبّر بذلك عن الأسئلة التي تكتنز داخل المرء أمام المشاهد السائرة من حولها، عبر خيالها الصاخب، وهو ما يظهر تأييدها لرؤية عدم قدرة الإنسان على الاستقلال عما حوله.

وتكتب فاطمة كرومة، في مجموعتها عن الحب وتجسيداته وصوره في الحياة، وتستنكر زواله مع قسوة الوقت.

الخيال يقود العالم

تبحث الشاعرة في ديوانها اختلال الذات وانعدام الجدوى وتكرار الأحداث، وفتور المرء من هذا كله.

فيما تعبّر عن اضطرار الإنسان، للمضي في الحياة، والاستسلام لحصارها، مدللة على غياب الخريطة، والسكون وانحسار الاحتمالات:“ لم يكن أمامي درب / ورائي كان الجدار“.

بينما تنفي الواقع، وتستخدم الخيال ليقود العالم في نصها الصاخب بالتأملات والأسئلة: ”رأسي صفصافة تعج بالطيور / وصفير الأسئلة لا ينقطع ولو للحظة“.

صور مشوشة

وتبدو شاعرية كرومة قائمة على البحث في الصورة ”المُبكسلة“ ذات الجودة المنخفضة، المشوشة، فتعيد تفصيل مكوناتها، عبر الشعر، الذي يكسبها العمق والحياة.

وتقدم فيها صورًا فنية تميل للغرابة والابتعاد عن المألوف، وهو ما يمنح نصها المزيد من الجدية.

ومما يزيد من جدية النص لغته الحداثية المرنة، بالتنوع في الأساليب القائمة على الإثبات والنفي والتعجب والتمني والاستدراك.

وتكثر في نص كرومة الاحتمالات والرؤية البديلة، وتقدم ذلك بكثافة لغوية، وتأملات مونولوجية، شديدة الخصوصية.

وفي حوار قصيدة كرومة مع الطبيعة، ظهرت خبرة فاطمة المعرفية، وقدرتها على محاكاة المفاهيم داخل النص، عبر الانتقاد والخلخلة، وتفكيك الثابت.

وتظهر هذه الكيفية في رمزية عنوان المجموعة: ”بلا فرامل تهوي في منحدر“، حيث كل شيء يمضي بسرعة، والحياة تمضي للأمام دون ثوابتها.

2022-04-241176506_10215504174197035_1324577212984652410_n

لعبة

وفي شعرها تذهب فاطمة كرومة، إلى التساؤل عن اللعبة التي تمارسها الأصوات مع العالم، حيث يدور الصراع بين أصوات قديمة علمت الإنسان طيش الحياة واللعب واللهو.

لكنها سرعان ما تذبل وتختفي، وتحل أصوات أخرى تزاحمها، ويكون المرء حقل تجارب لكل هذا.

وتلمح شاعرية كرومة هنا لأسئلة الحيرة حول المكان الذي تختبئ به الأصوات التي لطالما شكلت الذات البشرية، وكأنما هوّة في الزمن تخبئها، فتكتب في نص ”رائحة المدن“:

”العيون الذابلة اليانعة، ينأى صخب ضحكتها
الأصوات التي أهدتنا نزق الحياة
صالحتنا مع الأيام
تحل أصوات أخرى محلها
تزاحمها
انتظرت طويلًا
قبل غياب أبدي
في هوة على الطريق تعبُّ أصوات العابرين“.

خيالي وواقعي

وتقارن الشاعرة بين المشهد الخيالي والواقعي في الحياة، بهدف إسقاط المعنى الشعري، وتحريك الجسد الثابت للأشياء من مكانه، عبر إكسابه المعنى.

ونجدها تستخدم النفي لتجعل من الرؤية أوضح، وتزيد من ارتباط القارئ بالمشهد، محققة جاذبية مقنعة لنصها، عبر شرح الإيهام الذي يقع به الخيال، بالنفي والاستدراك.

فهي بذلك كانت تضع صورتين في الجملة، تمسح الأولى وهي الوهم، أو التشبه، وكانت أيضًا بمثابة الحلم، وترسم الثانية، وهي قسوة الواقع وخشونة أظافره.

وتعرض خلال النص انطباعية إنسانية قاتمة حول التصدع الذاتي الإنساني مع اليوميات الحياتية؛ بسبب كثافة الإحساس، وانغماس المرء في التفاصيل، فتكتب كرومة في نص ”أغصان فضّية“:

”لم يكن إنسانًا يطالع كتابًا
بل دلوًا مقلوبًا فزق مكتب محطم.
ينحت أبي من الفضة عصافير تهتز وألمحها تطير
تنضد أمي الخرز بخيوط الشمس
فأغفل عن انفراط أصابعها.
لم تكن حياتي
كانت مجرد تدرب قاسٍ على القيامة،
إطلاق أسماء على المسميات،
التفنن في الثبات والتصدع،
لم أكن أنا،
بل كوم حواس مُتخيّل“.

فيما استخدمت كرومة، نفس الصيغة البنائية الشعرية في نص“المحب“ لكن بطريقة الإثبات، حين تحدثت عن الحب فقالت: ”عرّفه حبيبي بالأريكة / فيما كنت أختزله في اللعنة / كان حبيبي نحو رفعة السعادة / وكنت متشائمة أبحث عن طريق العودة“ ففي كل مرة يبدو تغيّر المشاهد لديها، كأنما تبديل صور، في اليد.

تراث

واتجهت الشاعرة لاستعارة التراث الديني القرآني في نص ”اللا موصوف“ عبر تجسيد قصة النبي يوسف، حيث اختزلت الجمال بنفي التوصيف، واختزلت الدهشة بتقطيع الأصابع من قبل النساء، كما حدث في القصة القرآنية.

فيما استخدمت فاطمة كرومة الثيمة الشعبية القصصية ”كان ياما كان“، في افتتاحية نص ”عنقود“، لتتحدث عن قصة الخلق، وهي أيضًا من التراث الديني.

كما واستعارت من التراث الشعبي لفظة ”الأربعين حرامي“، إذ كتبت في نص ”بأربعين كلمة“: ”أريد بئرًا من الذهول / كونًا من الكلمات / بلا أربعين حرامي أو حرامية / أفتح خزائنه / أكتب قصته / من دون شاهد غيري على المسير“.

الشعر والتكنولوجيا

وفي نص ”عادات مريبة“، تؤكد الشاعرة التونسية قدرة الشعر على التغلغل في كافة الأمور، حتى في تفاصيل حياتنا التكنولوجية، حيث تقليب المنشورات والصفحات على فيس بوك، وتحاكي الشاعرة هذا السلوك الإنساني الحداثي، بلغة الشعر، ملتقطة مشهدًا شديد الحساسية، ولربما يفعله المعظم، لكنها بتوصيفها، أكسبته العمق إذ تكتب:

”أزور صفحات موتى لا أعرفهم
أمسح غبارًا عن صورهم،
صورة
صورة
وأفكر مليًا في الأزهار،
في كائنات تحوم حولها،
ثم تطير بلا رحمة“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك