ثقافة

عز الدين المناصرة.. تهاوي الضلع الرابع في عمارة الشعر الفلسطيني المعاصر
تاريخ النشر: 05 أبريل 2021 10:30 GMT
تاريخ التحديث: 05 أبريل 2021 12:10 GMT

عز الدين المناصرة.. تهاوي الضلع الرابع في عمارة الشعر الفلسطيني المعاصر

برحيل الشاعر عزالدين المناصرة، يكون الضلع الرابع من عمارة الشعر الفلسطيني الحديث قد تهاوى، فقد شكل الراحل مع محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد "الأربعة

+A -A
المصدر: إرم نيوز ـ إبراهيم حاج عبدي

برحيل الشاعر عزالدين المناصرة، يكون الضلع الرابع من عمارة الشعر الفلسطيني الحديث قد تهاوى، فقد شكل الراحل مع محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد ”الأربعة الكبار“ في الحركة الشعرية الفلسطينية المعاصرة.

وعلى مدى أكثر من نصف قرن، وهو عمر تجربته الشعرية والنقدية، سعى المناصرة إلى أن يكون صوتًا شعريًا وفيًا لعدالة القضية الفلسطينية، حتى بات واحدًا من أبرز الشعراء الذين سعوا إلى تجسيد هذه القضية، بمدلولها الثقافي وموروثها التاريخي وثقلها الرمزي، دون إغراق قصيدته بالشعارات البراقة والخطابات المؤدلجة، التي سرعان ما تفقد بريقها الحماسي، عند انتهاء وظيفتها السياسية الآنية.

2021-04-22-33

وشكلت مدينة الخليل، حيث ولد الشاعر، مصدرًا خصبًا لتجربته الشعرية، فهذه المدينة كانت مثالًا على تعلقه الوجداني بالمكان الفلسطيني المحلي بكل ما يحمل من معاناة وجراح، إذْ غنى الشاعر لـ“جفرا“ التي ترمز إلى كل ما هو غارق في البيئة المحلية الفلسطينية الضيقة، لينطلق من ذلك إلى معانقة رحابة الثقافة الانسانية، فتُرجمت قصائدة إلى أكثر من لغة.

وبدا صوت المناصرة خافتًا، قياسًا إلى مكانته الشعرية الجليلة، وهو ما يعد ملمحا رئيسا في الحركة الشعرية الفلسطينية المعاصرة، إذْ لطالما شكا المناصرة ومجايلوه من سطوة شاعر متفرد واستثنائي هو محمود درويش، الذي كاد أن يحتكر عذابات القضية الفلسطينية وانتصاراتها ونكباتها، حتى بات شاعر القضية المدلل، خصوصًا وأن منظمة التحرير الفلسطينة والراحل ياسر عرفات نفسه، أتاحوا له من الامتيازات من لم تُمنح لشاعر آخر.

غير أن هذا الاحتفاء بدرويش، لم يستطع أن يغيّب المناصرة من المشهد الشعري الفلسطيني، فدرويش نفسه يقر بفردادة شعر المناصرة، إذ يروي الناقد الفسطيني فيصل دراج قائلًا: سألت (محمود درويش): من هو أفضل شاعر فلسطيني، فقال: هو (إبراهيم طوقان). وسألت درويش: ومن هو أفضل شاعر فلسطيني من أبناء جيلك المعاصر، فقال هو (عز الدين المناصرة).

وبالقدر الذي اهتم فيه المناصرة بكتابة القصيدة، اهتم كذلك بالتنظير النقدي لتلك القصيدة، فاكتسبت تجربته طابعًا خاصًا مزج بين الشعر بهشاشته ورقته، وبين النقد بصرامته وتحليلاته المنضبطة، ناهيك عن التدريس الأكاديمي الذي صقل مهارات الشاعر، نظمًا ونثرًا.

2021-04-33-20

مخيمات ومنافي

حفل قصيدة المناصرة، كما هول حال غالبية الشعر الفلسطيني، بعذابات المخيمات وصرخات الثوار وصدى الهزائم والنكسات، وروى ضياع الأرض والوطن في توليفة عكست ذلك الشجن الحزين، الذي يتجلى في سطورها محنة الشاعر نفسه، الذي عاش في بلدان عدة من عمان إلى بيروت والجزائر، وعاصر الخيبات والتحولات والانعطافات، التي لم تستطع أن تخمد ”جذوة النضال“ في جملته الشعرية.

واللافت، أن هذا التعلق الوجداني بفلسطين، لم يدفعه الى الاستنجاد بالنبرة العالية التي سرعان ما يتلاشى بريقها، بل سعى الشاعر إلى كتابة قصيدته المغايرة للمنحى الخطابي السائد، واتجه إلى استنطاق فضاءات الأمكنة، وغاص في الأسطورة وتمعن في ألواح التاريخ وجلال الرموز القديمة لفلسطين، مستحضرًا أصداء الثقافات القديمة، وخصوصًا الكنعانية بكل حمولتها التاريخية.

وإلى جانب ارتباطه على صعيد المعنى بقضيته الأولى، القضية الفلسطينية، فإن لغته بدت طيعة، وكانت -أيضًا- انعكاسًا لعدالة تلك تالقضية، فجاءت نصوصه مثالًا للغنى الفني والثراء اللغوي.

ويرى نقاد شعر المناصرة، أن الشاعر يأتي في مقدمة المبدعين الذين مزجوا مستويات ثقافية وفكرية مختلفة في إنتاجاتهم الأدبية، ما جعل بناها النصية كتلة متداخلة الأجزاء، وفسيفساء فنية تسترعي الاهتمام، بحسب النقاد.

يقول الناقد إبراهيم السعافين: إن المناصرة ”ينجح في نحت مفرداته من حجارة اللغة الشعبية واللهجات العامية، وإن كان أحيانًا يبالغ في جرأته حتى تكاد تبدو غاية في ذاتها، فيستخدم ألفاظًا يصعب الدفاع عن جماليتها في السياقات التي استخدمت فيها، على أنه رغم ذلك، صياد ماهر للسياقات العامية والشعبية من أجل تفصيحها وتوظيفها في القصيدة“.

 

من جانبه، يرى الناقد السوري نديم الوزة، أن المناصرة واكب الغنائية الجديدة التي تبلورت نماذجها في أعمال بعض زملائه الشعراء الفلسطينين ”وإذا كانت هذه الغنائية“ تتطلب لغة مجازية تستعمل التشبيه والاستعارة والكناية، كي تترك للقارئ فسحة صمت بيضاء من أجل التأويل، فإنَّ استعمال هذه الأدوات البلاغية لن يمنع الشاعر من تطوير لغته، كي تقترب من التعبير الشفوي، إن كان في الألفاظ أو في التراكيب.

ويُجمع النقاد على ان المناصرة، ذهب إلى استخدام لغة الحياة اليومية المألوفة والمشاعة، ليضعها ضمن قواعد جديدة ومنطق جديد، وهو ما أتاح للشاعر  تقديم مساهمة مهمة على مستوى إثراء اللغة العربية، بتركيزه على الاشتقاق من العاميات العربية وتفصيحها.

سيرة

ولد عزّ الدّين المناصرة يوم 11/4/1946 في بلدة بني نعيم/ الخليل. وأنهى الثانوية العامة في مدرسة الحسين بن علي بالخليل، وحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من جامعة القاهرة سنة 1968، وشهادة دبلوم الدراسات العليا من الجامعة نفسها سنة 1969، وواصل دراسته في جامعة صوفيا ببلغاريا فحصل منها على شهادة التخصص في الأدب البلغاري الحديث، ثم شهادة الدكتوراه في النقد الحديث والأدب المقارن سنة 1981.

عمل في الأردن صحفيًا ومذيعًا (1970-1973)، ثم انتقل إلى لبنان حيث عمل مُحرّرًا ثقافيًا في مجلة ”فلسطين الثورة“ الناطقة بلسان منظمة التحرير الفلسطينية (1974-1977)، ومديرًا لمدرسة أبناء وبنات مخيم ”تل الزعتر“في ”الدامور“ (1976)، ومديرًا لتحرير صحيفة ”المعركة“ خلال حصار بيروت (1982)، وسكرتيرًا لتحرير مجلة ”شؤون فلسطينية“ التي أصدرها مركز الأبحاث الفلسطيني ببيروت (1982-1983).

عمل بعد ذلك في الجزائر، مدرّسًا بجامعة قسنطينة (1983-1987)، وفي جامعة تلمسان (1987-1991). ثم عاد ليستقر في الأردن، حيث أسس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة القدس المفتوحة بعمّان، ورأسَه (1991-1994)، وتولى في الفترة (1994/1995) عمادة كلية العلوم التربوية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ثم انتقل للتدريس في جامعة فيلادلفيا منذ 1995، وتولى رئاسة تحرير مجلة ”فيلادلفيا الثقافية“ التي تُصدرها الجامعة.

فاز بالمركز الأول في مسابقة الشعر، التي نظمتها جامعة القاهرة على مستوى الجامعات المصرية (1968)، ومُنح وسام القدس من اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (1993)، ونال جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي من رابطة الكتّاب الأردنيين (1994)، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب (حقل الشعر) من وزارة الثقافة الأردنية (1995)، وجائزة ”سيف كنعان“ من حركة ”فتح“ الفلسطينية (1998)، وجائزة القدس من الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب (2011).

2021-04-55-12

أعماله (دواوين، نقد، دراسات):

له أعمال كثيرة، تُرجم بعضها إلى لغاتٍ مثل: الفرنسية، والإنجليزية، والهولندية، والفارسية، والألمانية والإيطالية. ومن أعماله الأدبية:

”يا عنب الخليل“، شعر، القاهرة-بيروت، 1968. ط5، دار مجدلاوي، عمّان، 1992.

”الخروج من البحر الميت“، شعر، دار العودة بيروت، 1969.

”مذكرات البحر الميت“، شعر، بيروت، 1969. ط2، دار مجدلاوي، عمّان، 2005.

”بالأخضر كَفّناه“، شعر، بيروت، 1976.

”النقد الثقافي المقارن“، نقد، عمّان، 1988. ط2، دار مجدلاوي، عمان، 2005

”حارس النص الشعري“، نقد، دار كتابات، بيروت، 1993.

”هامش النص الشعري“، نقد، وزارة الثقافة، عمّان، 2002.

”لا أثق بطائر الوقواق“، شعر، رام الله، 1999. ط2، الخليل، 2001. ط3، دار مجدلاوي، عمّان، 2004.

”الهويات والتعددية اللغوية“، نقد، دار مجدلاوي، عمّان، 2004.

”علم التناصّ والتلاصّ“، نقد، عمان، 2006. ط2، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011.

”لا سقف للسماء“، شعر، دار مجدلاوي، عمّان، 2009.

”الأجناس الأدبية“، نقد، دار الراية، عمّان، 2011.

”السماء تغنّي“، قراءة في تاريخ الموسيقا العربية، دار مجدلاوي، عمّان، 2008.

”فلسطين الكنعانية“، قراءة جديدة في تاريخ فلسطين القديم، جامعة فيلادلفيا، عمّان، 2009.

”قصة الثورة الفلسطينية في لبنان (1972-1982)“، الأهليّة للنشر والتوزيع، عمَان، 2010.

”تفكيك دولة الخوف“، سياسي، دار الراية، عمّان، 2011.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك