ثقافة

"حجرات الموت الأنيقة" للسوري جوان تتر.. صرخة يائسة في بلاد لا تستريح
تاريخ النشر: 02 فبراير 2021 22:34 GMT
تاريخ التحديث: 03 فبراير 2021 6:20 GMT

"حجرات الموت الأنيقة" للسوري جوان تتر.. صرخة يائسة في بلاد لا تستريح

يسلط الشاعر السوري جوان تتر، في ديوانه "حجرات الموت الأنيقة" الصادر حديثا، الضوء على مثالب العصر الحديث وضغوطاته التي تحيل الفرد إلى رقم ينجر بشدة إلى عوالمه

+A -A
المصدر: مهند الحميدي- إرم نيوز

يسلط الشاعر السوري جوان تتر، في ديوانه ”حجرات الموت الأنيقة“ الصادر حديثا، الضوء على مثالب العصر الحديث وضغوطاته التي تحيل الفرد إلى رقم ينجر بشدة إلى عوالمه الداخلية المعتمة هربا من بؤس واقعه.

في قصائد الديوان النثرية نلمح الحضور الطاغي لعالم الأموات، وانهيار الرؤى والأحلام، وتنافس الوجد والفقد، فتختلط العوالم وتتنازع الأضداد.

ويضم الديوان أيضا سيرة شخصية للشاعر، تجسد في نص على شكل حكاية؛ حمل عنوان ”حكايا الشيخ الأحمر“.

وتناول الشاعر في حكايته الطويلة مآلات السوريين ورغباتهم في السلام والاطمئنان، كل ذلك بأسلوب نثري، سعى الشاعر من خلاله لملامسة هموم المجتمع وتقديم نتاجه الإبداعي بلغة بسيطة بعيدة عن وحشي الكلام.

وينتمي تتر إلى جيل الشعراء الشباب في سوريا ما بعد الأزمة، الذين تدخلت الحرب في صقل تجربتهم الإبداعية كما غيرت ملامح الواقع ككل.

ويرى الناقد يزن الحاج أن الشعر السوري بقي في حالة مراوحة خلال سنوات الحرب التي غيرت وقائع الأرض جغرافيا، لكنها رسخت تضاريس القصيدة السورية التي أبقت على عرشها النثري. ليس الثبات أمرا سيئا بالضرورة، إذ يمتاز الشعر السوري بأنه البضاعة الأدبية الأفضل للكتاب السوريين.

2021-02-حجرات-الموت-الأنيقة

وامتاز ديوان تتر الأخير بثبات الأسلوب واتخاذ خط إبداعي تجنب فيه النسج على منوال من سبقوه، لتظهر بصمته الخاصة بوضوح، مبتعدا عن الحشو وعامدا إلى التكثيف، مستفيدا من تجربته كصحافي.

ونسج تتر قصائد الديوان بجزالة بدت واضحة من حيث الشكل، في المفردات والتراكيب، لتتناغم بسلاسة مع مضمون عميق يشي بخلفية الشاعر الغنية ثقافيا.

يقول في قصيدة ”العام الصفر“: ”ولِدتُ قبل كل شيء، قبل الحرب والزمن. أبصرتُ نورا آن خروجي من مأواي إلى العالم. الوكر الباطني كان هادئا معتما، ثمة متسع لاصطياد النجوم والأبرياء في ذاك المأوى، أشقائي خبروا السرداب، تعرفوا على المكان الذي كنت فيه قبلهم، ركلوا الجدران! لا، لم تك جدرانا، سائل أحمر قالوا عنه (دم) يتسلل إلى أنوفهم ويتحرر من الأذن اليسرى! كانت يداي ملطختان بالسائل، كأيدي إخوتي“.

ويضيف: ”لم أخالف، خرجت كما يخرج الآخرون بصرخة شبه مكتومة، علامة الحياة، صفعني الطبيب على مؤخرتي لأستفيق من العتمة الهانئة التي كانت تلفني قبل تسعة أشهر، بعد ذلك، تهت، كما تاه الآخرون، أو -كما يتوه الآخرون عادة- يتفرسون بالمرايا، يرومون شيئا سيعيدهم إلى صواب العتمة القديمة، يقينا يصفعهم كي ينسوا الشمس وكل الأشياء التي أبصروها في حيواتهم“.

قصائد الديوان على الرغم من انغماسها في الموت والظلال الثقيلة، تبقى صرخة في وجه الظلم، بحثا عن مساحة أمان تعيد الأمل إلى فاقديه.

2021-02-الشاعر-جوان-تتر

يقول في قصيدة ”العام العاشر“: ”تكشفت الجثامين، أجساد غضة تمر كل أسبوع محمولة على نعوش. يتوقف الأب محني الرأس أمام باب المسجد في انتظار الغسل أو (الطهارة) كما يروج عن الأمر، يتمتمون ويبعثون التحايا لذكرى الميت الممدد: -إنهم يؤوبون إلى غيابهم؛ قالت أمي، وكنت أتأمل مكبر الصوت أعلى القبة الخضراء، يصدح باسم الميت الذي كان قد استدان علبة سجائر من الحانوت نهاية الحي، غفر له صاحب الحانوت ممتعضا، كيف لي أن أطالبه الآن وهو في مكان لا يحتاج فيه إلى الشراء“.

ويضيف: ”كل الأشياء الصغيرة داخل قلب الميت تبقى حيث هي، يحملونه، ومن ثم يسيرون خلفه جمعا، يوصلونه إلى المكان/الأزل، يفتحون راحات أكفهم ويتمتمون مرة أخرى: -لا ينبغي ترك الميت وحده؛ قال أحدهم، وهو الموحش مذ غادر المأوى، تتلقفه يد التراب الآن كأب يتلقف طفله من يد الأم وهو يتهادى في النزول. يودون قول شيء له، أن يسألوه عن دمه، عن صوره القديمة وأطفاله خارج الحفرة/القبر، ينسون بغتة الأمر.. وحده من حفر الحفرة، يبتسم، يضيف خطا مائلا بقلم الرصاص على الروزنامة، يحمل عدته ويمشي بضع أمتار ليسقي زهرة الموتى“.

ويبث تتر في قصائده تجارب واقعية تحيلنا إلى ما يلف الفرد من هواجس تسببت بها ظروف قاهرة في بلاد لا تعرف الراحة، فكان حضورها يابسا كأخاديد حفرها الزمن في وجه شيخ هرِم.

يقول في قصيدة ”ساق لا تؤلم“: ”كنت أود لو جربت أن لا أشعر بالألم مثلك، يحملني أحدهم كرضيع على ظهره، يجلسني على الكرسي المتحرك، وحين تحكني ساقي المبتورة، أضحك من فكرة ألا يد تستطيع حك الداخل وهرشه، فقط أحملق في الجدار كممسوس. وكي لا يظن العجوز أني مقعد مثله، أحاول الوثب بساقي الاصطناعية فأتعثر. ساقي لا تؤلمني، ساقي تؤلم أبي والأصدقاء والعالم“.

ويبدو تتر في ديوانه كمن يستغيث مستنكرا الواقع، متسائلا بمرارة عن مدى استحقاق جيله لما ترتب عليه من ضغوطات وأثقال لا قِبل له على حملها.

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“؛ قال تتر، إن ”الكتاب بالنسبة إلى الشاعر مرحلة أخرى في الكتابة، يتداخل فيها الصحفي والأدبي في قالب كتابي واحد، حيث حديثٌ عن النازحين على إثر الهجمات التركية والفصائل السورية المسلحة الموالية لها، وما سببته تلك الهجمات من حالات نزوح جماعي لمدنيين أبرياء“.

ومن خلال الأدب يسعى تتر إلى تحويل القصيدة إلى متراس يلف هشاشته وانكساراته ليحمي ما تبقى من ذاته المستنفذة؛ هي بمثابة أسوار ذاتية بعد أن انهارت قلاع الوطن.

”حجرات الموت الأنيقة“ سيرة أخيرة لآخر شعراء الصعاليك، عن الفرد المثقل المتعب المستنفذ، يبثها كمن يكتب وصيته الأخيرة، علها تلقى أذنا صاغية توقف رحى الحرب أو علها تبطئها على الأقل.

الشاعر في سطور

2021-02-جوان-تتر

جوان تتر، شاعر وكاتب سوري، يبلغ من العمر 37 عاما، يعمل في مجال الصحافة والترجمة وينشر مقالاه في دوريات عربية عدة.

صدر للشاعر دواوين عدة في قصيدة النثر؛ منها ”خيط رفيع من الأسى“ عام 2019، و“الموتى يتكلمون هباء“ عام 2017، و“هواء ثقيل“ الحائز على جائزة الملتقى الثاني لقصيدة النثر في العاصمة المصرية القاهرة عام 2010. وحاز على منحة مؤسسة ”المورد الثقافي“ عن ديوانه ”كتاب الأشياء“ عام 2018، وأخرى من مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة بالتعاون مع معهد غوته ودار ممدوح عدوان عن كتابه ”إلى العَلَم دُرْ“ عام 2019.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك