البوليفونية الموسيقية والمجتمع – إرم نيوز‬‎

البوليفونية الموسيقية والمجتمع

البوليفونية الموسيقية والمجتمع
Orchestra conductor on stage

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تتعدد الأساليب التي يستخدمها العقل البشري، لنشر الأنماط الثقافية، ودراسة مدى تأثيرها على الإنسان بعد التجربة، ومن هذه الأطر ”البوليفونية“، أي تعدد الأصوات الإنسانية حول مضمون واحد، وتقوم أساسا على الحوار.

ويعود أصل البوليفونية إلى الموسيقى، فاندماج صوتين أو أكثر في الجوقة ذاتها، أو وحدة الزمن ذاتها، هو تعدد صوتي، من أجل بناء وحدة موسيقية، أو معزوفة لحنية. هذا البناء يطلق عليه في منهجية الموسيقى“تعدد الأصوات الضمني“ ويشير إلى أساس قيام الموسيقى على المشاركة، كما ظهر في معزوفات ”باخ“ والموسيقى الشعبية الأفريقية.

رؤى فكرية

ومن الموسيقى انتقلت تعددية الأصوات إلى الأدب، وقد أشار إلى ذلك الروسي باختين، وأطلق لقب البوليفونية، على النظام الروائي الذي يشتمل على أكثر من رؤية فكرية، بحيث تكون كل شخصية تتبنى توجها فكريا ينقل وجهتها، ويحصل الصراع الفكري بين هذه الشخصيات لينتج حالة ديمقراطية سردية، لا تلغي الرأي المقابل، وقد طبق هذه الطريقة في السرد ”جيمس جويس“ في رواية ”يوليوس“، كما أظهرها ”ديستوفيسكي“ في ”الجريمة والعقاب“.

مخاطبة العقل

وأضحى هذا النمط التعددي منذئذ، مثارا ليمتد إلى كافة التجمعات الإنسانية، فقاعدة نظامية، كالموسيقى، نجحت في التآلف، لمخاطبة عقل الإنسان، وصارت البوليفونية طريقة لتحليل التفكير الإنساني وفهم تعقيداته، ومدخلا لقبول الآخر، ووضع صوته على طاولة الحوار، وعدم اقصائه كما فعل النمط ”المونولوجي“ في العزف بالصوت الواحد، والكتابة بدور الراوي الذي يمثل كافة الأصوات، يطمس ملامحهم الفكرية، ويوصل للقارئ خلاصة أفكاره القمعية.

جوقة

ولأن الوعي البشري توصل إلى الطريقة والفلسفة التي تعمل بها الجوقة الموسيقية، فقد داوم الإنسان على استخدامها في علاج المرضى، ومخاطبة المعنفين، والمجرمين، وكذلك ذوي الحالات النفسية، لما لها من مقدرة على التحدث مع العقل المقابل بأصوات متعددة الطرح، متنوعة المساحات الفكرية، ما يعزز قدرتها على الإقناع، وكذلك محاورة الداخل. يقول ”ثيودور“:“ الموسيقى عامل مباشر لفهم الإحساس“وهذا الفهم لم يكن لولا تلك الحالة الشمولية التي تطل من خلالها المعزوفة الموسيقية.

المجتمع

وقد أطلق الروسي ”ميخائيل باختين“ مصطلح ”تعدد الأصوات“ كتأكيد أن الموسيقى مجتمع كامل، وعند الحاجة تصبح فردا يحوي مجتمعا، يخاطب فردا أو مجتمعا آخر. لتصنع الفارق في تعديل الرؤية وإعادة ترتيب الفوضى في الطرف الآخر، لأن الطرف الآخر يقوم تركيبه على تعدد الأصوات أيضا. هذا الفعل الاجتماعي الممتد لعقود متتالية ظهر في تداخل البوليفونية الأدبية والموسيقية، في الكثير من العلوم الحياتية، والأنشطة الإنسانية المتعاقبة، من أجل مجتمع ناضج، وصحي.

تدريب اجتماعي

فكون كل شخص في الرواية له موضوعه الخاص، ورؤيته المختلفة للأشياء، بحيث تظهر بنيته، دون تخطٍ، أو إنكار من الآخر، وبتقبل يقوم على الحوار، لا يأتي اعتباطا، ولا ملء فراغات دون هدف، إنما هو تدريب اجتماعي، مخفي، يعود إلى تعددية الأصوات، وينظر إلى التأثير على عقل المتلقي، بتعلم التناغم بين الأصوات، واتباع ديمقراطية حقيقية في تحليل التناقضات كلها.

رسم الأحاسيس 

كما هي الحال في المجاز الموسيقي، فتستطيع الموسيقى رسم أحاسيس الإنسان، بل والحديث عنه، وتفنيد أسراره، فما يحدث من حوار داخلي، يسيطر لا شعوريا على عقل الآخر، ويجذبه إلى منطقة وسطية، تقوم فيها المحاورة على أسس بوليفونية، ليتحقق المردود الاجتماعي المراد.

إرسال واستقبال

ولأن المغزى من الاستمرار الإنساني على الأرض، هو المشاركة، وهذه العلاقة لا تتحقق مع العالم، دون قدرة الإنسان على حسن الإرسال، وحسن الاستقبال، وعملية الدمج بين هاتين الحالتين، تسمى التعددية البوليفونية، كما أشار باختين:“إن الرواية المتعددة الأصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع. وبين جميع عناصر البنية الروائية، توجد دائما علاقات حوارية.أي: إن هذه العناصر جرى وضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، مثلما يحدث عند المزج بين مختلف الألحان في عمل موسيقي. حقا إن العلاقات الحوارية هي ظاهرة أكثر انتشارا بكثير من العلاقات بين الردود الخاصة بالحوار الذي يجري التعبير عنه خلال التكوين، إنها ظاهرة شاملة تقريبا، تتخلل كل الحديث البشري وكل علاقات وظواهر الحياة الإنسانية، تتخلل تقريبا كل ما له فكرة ومعنى“. فالعمل في مجتمع ما كجوقة، كل صوت له رونقه، وكل قناعة مهما تشذ، تندمج مع الجوقة المجتمعية، بعد الحوار المرتبط بفكرة التناغم الصوتي.

الموسيقى والأزمات 

ويستخدم الإنسان البوليفونية الموسيقية في مواجهة الظروف الحالكة، لرفع المعنويات، وشد الأزر، مثلما فعل الشعب الإيطالي، والإسباني أخيرا في مواجهة فيروس كورونا بعد تفشي المرض، واضطرار الحكومة لحجرهم صحيا في منازلهم، لقد وقف المواطنون على شرفات المنازل، وعزفوا الموسيقى، لطرد المرض.

وعلى صعيد اللغة، تمارس اللغة عملها البوليفوني في تعزيز لغة الحوار بين الناس، وإن استمرار الجدلية حول القضية الواحدة، هو أساس البوليفونية. يقول باختين:“جميع لغات التعدد اللساني، مهما كانت الطريقة التي فردت بها، هي وجهات نظر نوعية حول العالم، وأشكال لتأويله. بهذه الصفة، يمكنها جميعا أن تتلاقى، وتُستعمل بمثابة تكملة متبادلة، وأن تدخل في لحظات حوارية. بهذه الصفة، تلتقي وتتعايش داخل وعي الناس، وتعيش حقيقة، وتتصارع، وتتطور داخل التعدد اللساني الاجتماعي“. ونلاحظ كم الاتساع العالمي بوجود لغات متنوعة، ولهجات أيضا، كلها تعمل بنظام بلويفوني ثقافي متعدد، لفهم وتفسير هذا العالم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com