”بائعة الكلمات“ تطرح تساؤلات عن سطوة الجمال والعنصرية والحرب‎ – إرم نيوز‬‎

”بائعة الكلمات“ تطرح تساؤلات عن سطوة الجمال والعنصرية والحرب‎

”بائعة الكلمات“ تطرح تساؤلات عن سطوة الجمال والعنصرية والحرب‎

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

تطرح رواية ”بائعة الكلمات“، للأديبة السورية ”ريمة راعي“، جملة تساؤلات كبيرة عن سطوة الجمال والتفوق الجسدي وتسلطه على أشكال الكمال الإنساني الأخرى، والبحث عن هوية ثانية عند خذلان الجسد، فضلًا عن التطرق لأهوال الحرب ومصائدها.

هواجس كثيرة تبثها راعي في روايتها، طارحة أسئلة وجودية عن معنى الإنسانية التي يتبناها الجميع في حين يتجاهلون الإنسان، وعن العنصرية تجاه كل ما هو مختلف وضعيف، وعن قوة الكلمة، وما تمنحه لمن يمتهنها من تعاويذ الجمال والقوة والحلم بعالم لا يظلم الضعيف.

في ”بائعة الكلمات“ تأخذ البطلة دور الراوي، لتتنقل بهدوء بين الماضي، حيث ”أفروديت“ الفتاة الريفية الصغيرة، التي تعاني من تنمر رفاقها في المدرسة وسخريتهم من ملامح وجهها متواضع الجمال الذي لا يشبه في حال من الأحوال وجه آلهة الجمال الحاملة لاسمها؛ اسمٌ تعتبره ”أفروديت“ لعنةً لحقت بها جراء هوسٍ أصاب والدتها، وجعلها تصر على أن يكون اسمًا لابنتها البكر، بعد أن عملت لأعوام خادمة في منزل دركي ثري تحمل زوجته الفرنسية الجميلة اسم ”أفروديت“.

ووسط يوميات حياة بائسة لا تنبئ بمصائر الربات، تكتشف ”أفروديت“ وجود كلمات سحرية، تملك وقعًا نبيلًا وأنيقاً على الأذن، وتتجه إلى القلب مباشرة، لتجعل من يسمعها يفتح عينيه بدهشة؛ كلمات لا يعرفها أقرانها، بل لم يسمع بها قبلًا معظم أبناء قريتها، اكتشفتها في الكتب جميلة الأغلفة فتح عوالمها الخرافية أمامها الأستاذ ”سعد“ القادم من العاصمة الفرنسية باريس في زيارة طارئة إلى القرية.

وعلاوة على اكتشاف قدرة الكلمات السحرية ستكتشف ”أفروديت“ فخاخًا مختبئة بين ثنايا حكايات خرافية تُنحِّي جانبًا كل من لا تملك مواصفات الأميرة الجديرة بأمير منقذ؛ تقول أفروديت: ”كان قدر جميع الفتيات في تلك القصص أن يكن أميرات، ويكافئن على كونهن طيبات وحانيات وجميلات. ورغم انبهاري بذلك المصير المذهل، إلا أنني كنت أفكر بامتعاض بالنهايات الممكنة لحكاية فتاة ليست شقراء الشعر وخصرها ليس نحيلا ولا تملك أنفًا دقيقًا وعينين زرقاوين. وكنت أتساءل بغضب: لماذا لم تأخذ تلك الحكايات في عين الاعتبار احتمال أن ينقذ الأمير فتاة تكون هي ضفدعًا قبيحًا أو وحشًا ذا مخالب؟ ولماذا الشريرات في تلك الحكايات يكن دومًا قبيحات؟ أو لعل العكس هو الصحيح: القبيحات يكن دائمًا شريرات، ذوات أنوف معقوفة وأعين جاحظة وأقدام مفلطحة كبيرة!“.

وبما أن ربة الجمال ضنَّت على ”أفروديت“ الصغيرة بوعد الجمال وسطوته، تدرك أن عليها أن تنقذ نفسها بنفسها، بعد أن آمنت بأن لا أمير سيتولى إنقاذها، وتقرر أن الكلمات ستنقذها إن أحسنت استخدامها ”لأن العالم بكل ما فيه من جنيات طيبات ومعجزات وأعاجيب مُسخَّر لخدمة الجميلات اللواتي يستأسرن بجميع النهايات السعيدة“.

وهكذا تبدأ أفروديت مبكرًا مهنتها التي تحب أن تمتهنها ما تبقى من حياتها؛ بيع الكلمات! تقول ”الكاتبة على لسان بطلتها: ”أعجبني أن بيليسا كريبوسكولاريو؛ صاحبة الاسم العجيب، هي من اخترعت اسمها، كونها كانت الابنة الخامسة لأسرة كثيرة الأولاد، وبائسة لدرجة أنها لم تكن تملك أسماءً لأبنائها. واعترف بأني فكرت للحظات بأن اخترع بدوري اسمًا لنفسي، لكني تراجعت سريعًا عن ذاك الخاطر؛ لأني أملك بالفعل اسمًا عجيبًا. وعلاوة على امتلاكي اسمًا منذ ولادتي، فأنا أتفوق على بيليسا كريبوسكولاريو بكوني تعرفت على الكلمات في سن مبكرة، بينما كانت هي قد بلغت الثانية عشرة من عمرها حين نظرت إلى الكلمات الموجودة في صفحة جريدة، طوح بها الهواء لتعلق بقدميها، وحسبت أن الأحرف: قوائم ذباب!“.

وفي الحاضر نرى ”أفروديت“ وقد باتت امرأة مازالت تبيع الكلمات، لكنها تستسلم لمرضها الخبيث دون مقاومة أو عناد، لتمضي موسمها الأخير في حداد على وحيدها ”بحر“؛ الطفل المتوحد الذي قتلته رصاصة طائشة.

وتشغل الحرب السورية حيزًا من الرواية، لأن الحكاية تحدث في حديقتها الخلفية، إذ تعثّر ”بحر“ ابن أفروديت بواحد من فخاخ الحرب، وقتلته رصاصة طائشة أثناء موكب تشييع شهيد بينما كان على شرفة البيت، وكذلك كانت أم أفروديت واحدة من عشرات الضحايا الذين قتلوا في مجزرة جماعية على أيدي التكفيرين.

وتضطرب بوصلة ”أفروديت“ في هذه الحرب، حتى أنها لم تعد تعرف من عدو من فيها؛ وتقول في حيرة ”يبدو أن العالم بأسره يتحارب على هذه الأرض؛ موالون للنظام الحاكم، ثوار مسلحون، متطرفون إسلاميون، دول حليفة للسوريين، دول متحالفة عليهم. مع إشكالية كبيرة في الاتفاق على التمييز بين (الذين معنا) و(الذين علينا)، فمن يراهم (سين) من الناس أنهم يحمون البلاد يراهم (عين) أنهم محتلون. والخلاصة أن رحى الحرب تدور كل يوم طاحنة عشرات الشبان المتناثرين على الجبهات؛ يقتلون ويُقتلون، ومن لا يقتل في المعارك، قد يصطاده موت مجاني طائش في أحد الشوارع“.

ومن قلب حزنها تستخدم ”أفروديت“ مهنتها في بيع الكلمات، لتضيء مساحات معتمة نادرًا ما يلحظها أحد، يشغلها آباء وأمهات لأطفال توحديين لم تعد لهم هوية إلا كونهم آباء لأطفال مختلفين، وهؤلاء الأطفال التوحديون لا تراهم أفروديت ضحايا في هذه الحكاية، فهم ”يعيشون عالمهم الخاص، يمارسون التكرار السعيد للتصرفات ذاتها والحركات ذاتها عشرات المرات، يصرخون حين يشاؤون، ويرغمون من حولهم على الإذعان للغتهم وإرادتهم، هم منسجمون في عالمهم، كاملون لا يفتقدون شيئًا، ولا تعنيهم التصنيفات البشرية، بينما يمضي ذووهم أعمارهم مسربلين بالآلام، يحصون المسرات التي لن يتعرف أطفالهم على مذاقها أبدًا، والطرق التي لن يمشوا فيها، والدهشات التي ستمر قربهم وتتجاوزهم لأنهم لن يلتفتوا إليها“.

”بائعة الكلمات“؛ رواية عن الإنسان وعن الآخر وعن عالمٍ تتناثر فيه كل يومٍ ملايين الكلمات، في محاولات حثيثة لفهمه وتحاشي فخاخ الوحدة والخوف والظلم“.

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“؛ قالت راعي، إن ”حافزي للكتابة نابع من اعتقادي بأن الذين يكتبون ويرسمون ويصنعون الموسيقا والأغنيات، قادمون جميعًا من الحلم ذاته: أن تكون لديهم أجنحة، الحلم الذي يبدأ منه كل ما هو استثنائي وفريد في هذا العالم، وأنا لا أدعي أنني أكتب شيئًا فريدًا، لكن الكتابة ستكون دائمًا فعلًا فريدًا بالنسبة إلي؛ لأنني أعرف أنني في كل مرة وبعد أن أنتهي من كتابة قصة أو رواية لن أكون المرأة ذاتها التي كنتها قبل ذلك، سوف أصبح أكثر طلاقة وطزاجة قلبية وفهمًا لنفسي وللحياة“.

وأضافت: ”حافزي الدائم للكتابة هو أن أحرّر صوتي الداخلي وأستمع إليه بلسان شخصيات حرّة وطليقة أخترعها ثم أكتشف برفقتها المعنى وراء بحثنا الأبدي عن السعادة والحب“.

وتابعت: ”رواية بائعة الكلمات تبرز أهمية الكلمات حين تستخدم بطريقة صحيحة فتكون قادرة على تغيير الأقدار وصنعها في آن معًا، يخبرنا الأطباء أن مرضى السرطان يأتون إليهم وهم يشكون من أعراض معينة، مزعجة لكن يمكن تحمّلها، وما أن تمنح تلك الأعراض اسمًا؛ سرطان، حتى تتدهور حالة المرضى بصورة دراماتيكية. إذن السر كله يكمن في الكلمات التي لا بد منها كي نمنح المعنى لأشياء الحياة وتفاصيلها. وثمة من يعرفون كيف يمسكون الكلمات من تلاليبها ويطوعونها لجعل الحياة أكثر عذوبة ورحمة، هؤلاء هم بائعو الكلمات الذين لا تكسد بضاعتهم أبدًا“.

صدرت الرواية بطبعتين؛ الأولى عام 2018 عن دار المكتبة العربية للنشر والتوزيع في القاهرة، والثانية عام 2019 عن دار روافد للنشر والتوزيع في القاهر، وتقع في 142 صفحة من القطع المتوسط.

الكاتبة في سطور

”ريمة راعي“؛ كاتبة وصحافية عملت في عدد من وسائل الإعلام السورية واللبنانية. صدر لها رواية ”أحضان مالحة“ عام 2017، والمجموعة القصصية ”القمر لا يكتمل“ عام 2006، التي تُرجِمت إلى الألمانية وشاركت في معرض فرانكفورت للكتاب، من ضمن خمسة أعمال لكتاب سوريين تم اختيارهم لتمثيل الأدب السوري الشاب في سياق مشروع رواة المدن لمعاهد جوته في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والمجموعة القصصية ”وأخيرًا ابتسم العالم“ عام 1999. ولها رواية قيد الطبع تحمل عنوان ”نصف قطعة شوكولا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com