أول نسخة عربية لـ“رسائل يونغ وفرويد“ تجسد تطرف الصداقة والعداوة – إرم نيوز‬‎

أول نسخة عربية لـ“رسائل يونغ وفرويد“ تجسد تطرف الصداقة والعداوة

أول نسخة عربية لـ“رسائل يونغ وفرويد“ تجسد تطرف الصداقة والعداوة

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

أصدرت المترجمة السورية زهرة حسن حديثًا، أول نسخة عربية من كتاب ”رسائل يونغ وفرويد“، التي تجسد تداخل العلمي بالشخصي ومدى التطرف في الصداقة والعداوة بين اثنين من أبرز أعلام الفكر.

ويضم الكتاب مجموعة رسائل متبادلة، مطلع القرن العشرين، بين طبيب الأعصاب النمساوي ومؤسس التحليل النفسي السريري سيغموند فرويد، وعالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي كارل يونغ، وكيف انعكست الخلافات على علاقة وطيدة بُنيت على أسس علمية واحترام متبادل.

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“؛ قالت زهرة حسن، إن ”فكرة ترجمة الرسائل جاءت استكمالًا لمشروع تزويد المكتبات بأدب المراسلات، ولمنح قراء علم النفس والباحثين المتخصصين الناطقين بالعربية وثيقة تاريخية ذاتية لاثنين من أبرز مؤسسي علم النفس الحديث“.

وعلى الرغم من فارق العمر، جمع العالِمَين صداقة وثيقة بُنيت على احترام يونغ الشديد لفرويد وموروثه العلمي، وتفاؤل فرويد بمستقبل يونغ وطموحه بأن يصبح خليفته في أفكاره.

إلا أن الشرخ اتسع بينهما، بسبب اختلافاتهما النظرية المستمرة حول اللاوعي ونظرية الغريزة الجنسية على وجه الخصوص، لتصل إلى مرحلة القطيعة.

ويبدو أن الشاب يونغ خيب آمال فرويد في أن يصبح وريثه، ويبرز في المراسلات امتعاض يونغ من تلك الصداقة، وهو ما عبر عنه في إحدى الرسائل؛ قائلًا إنه يعيش على فتات يسقط من مائدة الرجل الغني، إلى أن نلمس تغيرًا في التعامل، مع تحول الاحترام إلى امتعاض وازدراء متبادل، أدى إلى قطيعة نهائية.

وأشارت المترجمة إلى أن ”اسم سيغموند فرويد، هو أول ما يتبادر إلى الذهن حين نذكر التحليل النفسي، فهو العلامة المميزة في هذا المجال، ما جعل الجميع يسعون لينهلوا من علمه ومن بينهم كارل يونغ تلميذه وابنه الروحي“.

وأضافت: ”في هذه المراسلات نرى كيف جمعت الصداقة بين العملاقين فرويد ويونغ، وكيف خرج هذا التلاقي بمخرجات عظيمة دفعت البشرية للتقدم أشواطًا كبيرة إلى الأمام في مجال علم النفس لم تكن لتحققها لولاه“.

واوضحت المترجمة السورية أن ”أبحاثهما الطموحة كانت بمثابة نقطة تحول في جوهر التاريخ الفكري، هذه الرسائل عبارة عن سجل صداقة وتأريخ لعلاقة أب مع ابنه الروحي، وهي علاقة ربطت بين اثنين من أكبر المواهب في مجالهما، والكتاب قراءة مهمة لأي مهتم في الأدب، فضلًا عن كونه قراءة ضرورية لأي طالب علم نفس، وستشكل متعة كبيرة لأصحاب التفكير التحليلي“.

ولفت إلى أن هذه الطبعة من الرسائل تهدف إلى إتاحة خلاصة هذه المراسلات إلى أكبر عدد من القراء، فهي تعتبر إحدى وثائق علم نفس الحديث التي لا تقدر بثمن، إذ تضيء على علاقة فرويد ويونغ بعمق كبير“.

وبدأت العلاقة بين فرويد ويونغ بداية مشرقة عام 1906، لتستمر 7 أعوام، وتنتهي نهاية مريرة عام 1913، وتشمل الرسائل على رسائل تتراوح في طولها بين بطاقات بريدية قصيرة إلى مقالات تحتوي على أكثر من 1500 كلمة.

وفي عام 1906، كان فرويد يبلغ من العمر 50 عامًا، وكان معروفًا في مجال الطب النفسي، لكنه بعيد عن الرضا عن انتشار أفكاره، إذ واجه معارضة كبيرة في بداياته؛ ولكن كما قال نابليون ذات مرة: ”ليس هناك جيش أقوى من فكرة حان وقتها“ وهذا القول أفضل ما يمكن أن يصف المعارضة العالمية التي تلقتها أفكار فرويد ويونغ في المراحل المبكرة من صداقتهما.

لكن فرويد رأى في يونغ الشخص المناسب الذي ستنتشر عبره هذه الأفكار بسبب قدرته على إقناع الناس والتأثير عليهم، ما سيجعله معلمًا بارزًا. كان يونغ حينها في سن الـ31 من عمره، وأثبت نفسه في مهنته، فقد كان الثاني في القيادة في مستشفى الأمراض النفسية المعروف على نطاق واسع في زيوريخ، في بورغولزلي.

وبدأت الصداقة بينهما مع إرسال يونغ لفرويد نسخة من مجلد من الدراسات التي أشرف عليها والتي تم الاعتراف فيها بأهمية التحليل النفسي، فتلقى فرويد الهدية بسرور.

وفي البداية رأى فرويد أن يونغ سيكون وريث علمه وأنه من سيتابع عمله وقد عبر كثيرًا عن امتنانه لوجود هذا الابن الجديد، ولم يكن ذلك لاعتبارات عمليه فقط بل إن فرويد كان حساسًا من فكرة التقدم في السن وقد رأى في هذا المساعد الجديد خلفًا له وهذا ما أعطى يونغ إحساسًا أنه اختير ليلاقي مصيرًا كبيرًا.

وكان يونغ يحمل تبجيلًا روحيًا كبيرًا لفرويد؛ لشخصه وعلمه، إذ جعلته علاقته به يحرز تقدمًا داخليًا عميقًا وتقدمًا علميًا مهمًا.

ولكن في مرحلة لاحقة من المراسلات ظهرت اختلافات فكرية ومهنية بينهما، وأصبحت اختلافات عميقة في نهاية المطاف، وهذا ما لاحظته إيما زوجة يونغ عام 1911، كبدايات على النفور بينهما، ما جعلها تحاول الإصلاح بينهما.

وبرز الخلاف في الرأي حول مكان الجنس ودوره في الفكر التحليلي، إذ رآى يونغ أن مزيدًا من الناس سينجذبون إلى الفكر التحليلي إذا لم يخافوا من الجنس، إلا أن فرويد كان يصر على أهمية الدافع الجنسي في الفكر التحليلي، وازدادت الخلافات الفكرية بسبب وجود خلافات شخصية أيضًا.

وفي محاولات إيما يونغ للإصلاح بين زوجها وفرويد، جاء في إحدى رسائلها أنها تحث فرويد على التخلي عن علاقته الأبوية بزوجها، بل أن يعامله كما يعامل إنسان إنسانًا آخر.

وحاول يونغ في رسائل لاحقة، الحفاظ على التواصل بأن كتب أنه ما يزال يرغب في الحفاظ على التواصل الشخصي على الرغم من الخلاف الفكري، فرد فرويد بالمثل.

لكن نبرة الحوار ازدادت حدة في وقت لاحق؛ وفقًا ليونغ فإن فرويد يعامل الجميع أنهم أبناء وبنات ليبقى هو محافظًا على مكانة الأب العليا ليبقوا مجرد أتباع له.

واشتكى فرويد كذلك، من أن الجيل الشاب يفتقر إلى التعامل مع ”عقدة الأب“ الذي يرغب أن يكون على صواب على الدوام.

وأراد يونغ التحرر من سيطرة الأب فهو مقتنع أن الناس لا يعطون أفضل ما لديهم إلا إذا كانوا أحرارًا، أراد أن ينطلق بنفسه ويصيب أو يخطأ ربما، ليصل في النهاية إلى الحقيقة لأنه مقتنع أن تاريخ الحقائق الإنسانية هو تاريخ الأخطاء الإنسانية.

يقول يونغ: ”هناك مخاطرة في محاولة البيضة أن تكون أكثر ذكاء من الدجاجة ومع ذلك فإن ما هو موجود في البيضة يجب أن يستجمع الشجاعة في النهاية ليتسلل خارج القشرة ويظهر“.

وتبادل العالِمان الرسائل بعد ذلك، إلا أنها اقتصرت على مجال العمل لأنهما لم يتمكنا من التخلي عن بعضهما في النهاية.

وفي سبعينيات القرن الماضي، اتخذت عائلتا فرويد ويونغ قرارًا بنشر هذه الرسائل باللغتَين الإنجليزية والألمانية، وتولى تحريرها ”وليم مجواير“ الذي كان قد حرر أعمال يونغ.

وشكل هذا العمل علامة مهمة لكل مهتم بتطور حركة التحليل النفسي في تلك الفترة، لتبقى هذه الرسائل وثائق تاريخية ذات قيمة فكرية عظيمة.

”رسائل يونغ وفرويد“، من إصدارات منشورات ”تكوين“ ودار ”الرافدين“، أواخر العام الماضي، ويقع في 533 صفحة من القطع المتوسط.

المترجمة في سطور

زهرة حسن؛ مترجمة وكاتبة مقالات، سبق أن ترجمت رواية ”آكلو اللوتس“ للكاتبة تاتيانا سولي، ورواية ”كل النور الذي لا نراه“ للكاتب أنتوني دوير، التي حازت بها على جائزة ”سامي الدروبي“ للترجمة من وزارة الثقافة السورية عام 2018.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com