تجربة حفر داخل الإنسان.. في ”أتسول الحياة بوجه مكشوف“ لبتول حميد – إرم نيوز‬‎

تجربة حفر داخل الإنسان.. في ”أتسول الحياة بوجه مكشوف“ لبتول حميد

تجربة حفر داخل الإنسان.. في ”أتسول الحياة بوجه مكشوف“ لبتول حميد

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تنقب الشاعرة البحرينية بتول حميد عن ذكريات قديمة، صانعة حوارات  داخلية معمقة حول تجارب الماضي عند الإنسان، في مجموعتها الشعرية ”أتسول الحياة بوجه مكشوف“، الصادرة عن دار الفراشة للنشر والتوزيع 2019.

وتنشئ حميد هندستها الشعرية باقتصادية عالية في الكلمات، مولدة نصا قائما على الإيجاز، دون حشو غير مثمر، أو زوائد تعيق تسلسل الشعر. وتستخدم الشاعرة في نصوصها لغة سهلة منفتحة على عمق ذاتي، ووفرة في الشعور المقتبس من ذاكرة جمعية، بإمكان أي شخص تجريبه مرة أخرى.

سلك لولبي

وتصنع حميد الإيقاع الداخلي لنصها، بهيئة أنيقة، وكأنها تكتب قصائدها بأذنها، فوضحت مهارة القفل للفقرات، والتنقل من فكرة شعرية لأخرى. وكأنها اتبعت نفس خط السير لتتابع الدوران في سلك لولبي ببعد وحيد، فنرى بالعين المجردة التقاطعات الدورانية على شكل عقدة. هذه العقدة هي القفلة الشعرية في نص حميد.

ذاكرة ذكية

فيما تنهل حميد من ذاكرة ذكية، قادرة على التقاط مواقف يومية، ومقاطع قد تكون طرفية لدى البعض، لكنها مركزية لدى الشعر، ومحور تنمو فيه شخصية الشاعر. هي المواقف الغريبة عن العالم، على الرغم من حضورها اليومي، لكن الواقع يحيطها بالضباب، بينما الشعر يجعلها تلمع كمرآة تحت الشمس.

تفاوت

أما الأفكار الشعرية في نص حميد، فكانت متفاوتة بين الجيد والمدهش، وظهر التباعد الزمني في الكتابة بين قصائد وأخرى، فبعض القصائد تظهر أفكارا ناضجة مثل ”وحيدة يا الله“، ”قبل أن يكسر العمر ساقي“،“عذرًا“،“قنوط“. وبعضها كانت عبارة عن نصوص قصيرة، بنفس الفكرة تقريبا، وافتقرت للتقنية التي تؤدي لسلالم الدهشة، ومنها ”ماذا تريد أيها الحزن“، فكثرت فيه ثيمة الصياغة المعتمدة على المضاف والمضاف إليه: ”بساط الأمل“، ”ريح الوهم“: ”نجوم الدهشة“، وهو ما يحدث رتابة في نسق القصيدة. وأيضا، لم تنضج الأفكار جيدا في قصائد ”تكات“،“بريق“، ابتسامة واحدة.. نظرة واحدة“، ”العناق الأخير“.

عدسات

ويظهر مدى نقاء الاستماع الداخلي عند حميد في نصها، فتتبع المناجاة بينها وبين الخالق، ناقلة حال وحدتها الجسدية، فيما داخلها لا يستطيع الانفراد، فتكتب: ”تبكي داخلي جثامين كثيرة، حتى أني صرت أتفقدها.. صوتها يضجرني، تنوح في صدري كحمامات برية، ولا أستطيع فتح القفص“. إن الثقل اللغوي الذي تعبر به حميد عن فكرتها هنا، يكمن في الوصفية المكثفة، والتنقل بين المعاني التي تمسح حالة الإنسان الداخلية، وكأنها عدسات متعددة المقاييس لكاميرا دائرية، وفي الآخر تقفل حميد الدولاب التعبيري، بجملة تُحكِم الجملة الشعرية للأبد.  وتكمل الشاعرة البحرينية وصفها لهزيمة الإنسان أمام العالم، والكيفية التي تنهش من خلالها العلاقات مع الأشياء، هوية المرء، لتحيله بيتا خاويا، تسكنه ذكريات بائسة، فتكتب: ”كل الذين أحببتهم ذهبوا بأجزاء مني، أنا امرأة مسكونة بالفقد، أتكئ على عكاز أمل هش، لم يعد يعنيني بقاء ظلي“. ويلمح استخدام المناجاة بقولها في افتتاح النص: ”وحيدة يا الله“ إلى مدى ضعف الشاعر أمام لحظته الشعورية، وأن الكتابة فعل ضعف معمق داخل الإنسان.

تدوير

وتستعيد الشاعرة البحرينية الندم كفعل لإنسان اعتاد تكرار الخطأ، بل والمرور عليه كأنه شغف لتجريب ما، لكن، تكون عملية الإدراك من بعد زوال الخطأ، بمثابة تدوير للذاكرة، فتقول الشاعرة في نص ”قبل أن يكسر العمق ساقي“: ”لي أخطاء بسيطة، كأن لا أتذكر حرارة الموقد، إلا بعد لسعة يدي، تماما كما نسيت أصابعي في كفك!“. وهنا تبدو اللغة التكثيفية المبنية على إيقاع داخلي، يزيد من متانة الصوت المجازي.

والمفارقة في المعنى أن الإنسان يتفقد ماضيه، بشيء من الحسرة، وتمني لو أن الإدراك يسبق الحدث بخطوة واحدة، لما كان ذلك ليحدث. وتكمل في نفس النص: ”امرأة تقيس ذكرياتها، وهي تتسوق في متجر نسائي متواضع.. تكوّم أياما على الأرض، لتشتري ابتسامة واحدة، أمام مرآة عريضة“.

ربطة عنق

وتلحظ حميد كيف أن الزمن يحزم وعي الإنسان، ويجعله مختنقا بأفكاره وخساراته وانكساراته، وعدم امتلاكه للقدرة أمام الكثير من الأشياء، فتكتب: ”يتقاعس عالمنا عن النهوض، وحين نقف، يشد ياقة أحلامنا، بربطة عنق ضيقة، تخرسنا عن الكلام“. كما تعري حبل التجاهل من الغطاء البلاستيكي ليتحول إلى طاقة تزلزل الجسد، وبقصيدة بعنوان ”ماء بارد“ تكتب: ”كل ما في الأمر أني نسيت ضحكتي على يد نحات أعمى، لم يتلمس تفاصيل فمي“. هذا التجاهل الذي يغلق الفم عن الضحك والكلام، ويحبس الوجع في الجسد، فتتساءل حميد أخيرا: ”من أقنعه أن دمعي هو ماء وجهه؟“.

قصّاص الزجاج

وفي قصيدة ”قنوط“، تبحث حميد عن تجربة قصوى للذهن، باستثارة أكبر قدرة له على التحليق، حينما تفتعل مجازا متقنا ومكثفا، بحيث تبدو الثمرة الشعرية في أجمل صورة ممكنة. يقول سارتر: ”لا يستخدم الشاعر الكلمات، لكنه يخدمها“، وهنا تحقق ذلك بالفعل. فالتوصيف المركب يحتاج مهارة قصّاص الزجاج، في الدقة والقطع، ويظهر هذا عند حميد حين تكتب: ”أنت تبلغ من الوحدة حد أن تحمل  في يدك وردة وتهديها للأخرى، وأنا أبلغ من اليأس حد أن أرغب بمعانقة نفسي وذراعاي مقطوعتان“.  ففي الوقت الذي يبحث فيه الإنسان حوله عن أي تعدد، فلا يجد إلا يديه، ويكون الحوار الوهمي بينهما، مختتما بوردة مهداة، هو الخيار الوحيد المتاح، فتعتبر الشاعرة هذا، الوِحدة.  أما أن يكون الإنسان دون يديه، وتنعدم الخيارات، فساعتها، كل الأشياء تتفلت من عمقه، ما عبرت عنه القصيدة بالقنوط.

في ”أتسول الحياة بوجه مكشوف“ هنالك تجربة حفر في الذات، تتخللها عملية تكشيف للغائر، وطرح أسئلة، ومناجاة إلى مركز الإنسان. ويبدو الحفّار الشعري ذا كفاءة عالية، لينتج حالة شعرية ناضجة بالعموم، عند بتول حميد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com