”أب سينمائي“ لأنطونيو سكارميتا.. نوفيلا تجريدية – إرم نيوز‬‎

”أب سينمائي“ لأنطونيو سكارميتا.. نوفيلا تجريدية

”أب سينمائي“ لأنطونيو سكارميتا.. نوفيلا تجريدية

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

 يستكشف الكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا العديد من المشاعر الإنسانية مثل: الفقد، والحب، والتسامح في روايته ”أب سينمائي“، الصادرة عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع 2018، وترجمها عمار الأتاسي.

وتتحدث الرواية القصيرة ”النوفيلا“ عن جاك المدرس الشاب في كونتولمو، وهي قرية تشيلية صغيرة وهادئة. ويعمل جاك -أيضًا- كمترجم فرنسي للصحيفة المحلية، لكسب المزيد من النقود. وتبدو علاقته مع اللغة الفرنسية معقدة لأنها تنبع من الحنين إلى الماضي والاعتزاز والشعور العميق بالخسارة التي سببها والده الباريسي، بيير، وهو رجل قرر العودة إلى فرنسا دون توضيح، في اليوم نفسه الذي كان فيه جاك عائدًا إلى المنزل منتهيًا من دراسته في معهد المعلمين.

ويقضي المعلم وأمه أيامًا مغمورة في التفاصيل الخاصة، والتدفق البطيء لحياة البلدة الصغيرة. لديهم فقط شراكة بعضهم البعض وشبح بيير الملاحم لهما في جميع الأوقات؛ ما يسبب لهما شعورًا دائمًا بالهروب. يسافر جاك إلى أقرب مدينة أنغول وغالبًا ما يشغل نفسه بمعرفة أخبار الأخت الكبرى لأحد طلابه.

وفي يوم ليس كأي يوم آخر، تكشف تلك المدينة له سرًا يغير كل شيء في نظره. حينما يكتشف أن أباه مقيم في مدينة أنغول القريبة من قريته، وأن له أخًا صغيرًا،إميليو، بعد لقاء مفاجئ مع أبيه في قاعة سينما.

تجريد

على الرغم من أن الرواية لا تتخطى 13 ألف كلمة، إلا أنها تثبت أن النمط السردي الحديث قائم على التجريد، فليس من الضروري أن يقف الفنان على سقالات، ليملأ مساحات الجدارية بأكلمها، كما كان في الماضي، إنما هي ضربات واعية، بفُرشاة متحسسة للفكرة، في المجمل سيكون حقق ما أراده من مشروعه الفني. هذه جدارية سكارميتا السردية الحداثية، غير المرهقة، تمضي بعمق إلى النفس الإنسانية، متلمسة أهدافها دون صخب أو مشقة. ويسافر سكارميتا مع القارئ لأماكن محددة ليست بالبعد الجغرافي الكبير، إنما بمساحة واسعة من الذكريات والأحاسيس، منها القائم على الفقد، وقد تحقق ذلك بلغة سكارميتا البسيطة، والترجمة الواعية من عمار الأتاسي.

الجميع يجلس على لغم

ويلتقط الكاتب التشيلي في سرده خصوصية القرية الريفية، بالتطرق إلى تشابك العلاقات الاجتماعية، ومهارة كتم الأسرار لدى أهل القرية، فوصّف هيئة البينة القروية فيما يتعلق بالأنساب، بأن الجميع يجلس على لغم، قد ينفجر في أي لحظة. كما وأثار الكيفية التي تمضي بها الحياة البطيئة هنالك، لدرجة أنك تستطيع ملاحظة حركة اللحظة، نظرًا لخلو البلدة الصغيرة من التلفاز، والسينما، وأدوات التكنولوجيا الحديثة.

 وبيّن الطريقة التي يقوم أهل القرية بالتواصل من خلالها مع المدن المحيطة، فلم يتخطّ ذلك فكرة الرسائل المكتوبة بخط اليد. كما يضيء سكارميتا على الحظر الذي تضعه القرية على الأشخاص، من خلال القولبة، وطبع العادات والتقاليد على كل عقل، بحيث يصعب الخروج من ذلك التابوه. ولكن الكاتب التشيلي، يحاكي وعي كل شخص يهاب القيود من حوله فيكتب ”مهما فعلت، فإن أحدهم سيحاول رسم الحدود لك، لا تكن أنت من يرسم تلك الحدود“.

سقوط وتماسك

ويلامس سكارميتا بذكاء، الوعي الإنساني، بإثارته إشكالية الفقد، فالشاب العائد ليبني رجولته، يجد نفسه يتحرك في مساحة غير آمنة، ليكتسب النضج وحده، في غياب الأب البعيد. ويمر بتقلبات عديدة، تشهد سقوطه أمام خيال رغباته، وتماسكه في الواقع، فهو الشاب الذي يذهب لمواعدة فتاة ليل، ليجلس معها يناقش أمور الحياة، وتحولات الوعي لديه ولديها.  ويظهر كم الفقد الذي يعانيه جاك، لغياب أبيه، حينما يكتب سكارميتا“آه يا أبتاه المسكين، لو أنك تخمن يومًا أي شيء زرعته فيّ، (…) وكيف أعشق من خلالك، كل ما هو موجود على الأرض“.

تقطيع وأحداث مفاجأة

ويعمد سكارميتا إلى تقطيع سرده إلى 25 فصلًا غاية في القِصر، وهو قد يكون محفزًا لإكمال الكتاب في جلسة واحدة لدى القارئ. ويكون جاك هو الراوي للأحداث كافة، وهو المركز الذي تدور حوله التركيبة السردية للعمل. كما ويضع سكارميتا صنعة الدهشة في مسيرة الأحداث، بذكاء، بما أدخله من مفاجآت، مثل الطفل إيميليو وكذلك ترابط الأحداث حول المحور ذاته، بأن تكون إيلينا أخت الطالب النجيب للمعلم جاك، هي أم الطفل إيميليو.

تذكرة سينما

أما الأم التي هجرها زوجها، فهي الوالدة الريفية البسيطة التي تقضي يومها في غسل الشراشف، وإعداد الطعام، والتفكير فيما ستطهي غدًا لابنها. فلم تصدق أن جاك أحضر لها تذكرة سينما أخيرًا، لتخرج من القبو المعتم الذي تمضي عمرها فيه. والفكرة المجازية المتعمقة في تذكرة السينما، تتضح في خيال القارئ حينما تذهب الأم لملاقاة زوجها الذي يعمل في السينما، كمدور لآلة عرض الأفلام، وهو ما لم يذكره الكاتب.

خطيئة أخرى

ورغم قلة ظهور الأب البعيد في الحوار، إلا أن رمزية وجوده، تظهر ليس فقط في عمله في السينما، إنما في سينمائية شخصيته ذاتها، فالمشهد الوحيد له ظهر فيه برفقة طفلٍ، وكأنه يرافق خطيئته الأخرى، بعدما هجر خطيئته الأولى.

كما يلمح سكارميتا في آخر سرده، إلى أهمية اللحاق بمصير الطفل إيمليو تفاديًا لوجود ضحية أخرى، بعدما تنازل جاك عن رغبته، وأشار إلى أهمية وجود من يعتني بالطفل إيميليو.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com