”القرد الليبرالي“ للتونسي سفيان رجب.. هل تطور الإنسان حقًا؟ – إرم نيوز‬‎

”القرد الليبرالي“ للتونسي سفيان رجب.. هل تطور الإنسان حقًا؟

”القرد الليبرالي“ للتونسي سفيان رجب.. هل تطور الإنسان حقًا؟

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يطرح الكاتب التونسي سفيان رجب أسئلة مربكة، حول أصل الإنسان ومصيره في روايته ”القرد الليبرالي“ التي صدرت عن دار زينب للنشر والتوزيع 2017.

وتتناول الرواية أحداثًا تدور حول المثقف المشرد، الذي تجبره الظروف وقسوة الحياة، على العمل في تنظيف المراحيض وبيع حذائه والتخفي في جلد قرد، لإكمال الحياة.

خارج القفص
 يهرب ”عبد الله“ بطل الراواية، من سطوة تحكم قريبه ”لزهر“، لأنه لم يعتد أن يخضع للقيود، لكنه بذلك يفقد المأوى، ليصير متسكعًا في شوارع بورقيبة والحفصية والمتسكع يفقد أشياءً كثيرة، لكنه يتعلم فلسفة خاصة للحياة، فيتعرض لمواقف مختلفة، تجبره على خوض تجارب سيئة،  ليكون أخيرًا على سرير المجانين، بعدما اتخذ طريقه للعودة إلى أصله القرد، كما يعتقد.
وتبدو شخصية عبدالله المُركبّة مثارًا للتساؤل والتحليل، فهو الشخص الذي يكرس ثقافته، لتذكر الحالة الأولى للإنسان، تلك الذاكرة القديمة التي احتفظ بها بينما نسيها، أو تجاهلها الآخرون. فيجرد بطل الرواية في الكثير من المطارح، الإنسان من الأقنعة البالية.

 

أصل الطريدة

ويعمل رجب في روايته على إعادة الشيء إلى أصله كفعل أسطوري بحت، وكما قال مارسيا ألياد: ”الصياد السعيد هو من يعرف أصل الطريدة“، فالأسطورة قد تكون مجرد حلم استمر طويلًا، لكنه بمجرد انتهائه، يكون قد رسم خطة ما، يسير عليها العالم.

رجم العالم بالموز

وتتكرر محاولات رجب في ربط صورة الإنسان وهيئته، وتصرفاته، باليوم الأول الذي رأى فيه القرد المفرغ من الوعي، هذا العالم على أنه حفنة من الفواكه الرطبة، ومساحات شاسعة من الأشجار، وكانت مهماته التي يعرفها تعلّم القفز لمسافة أطول، وتسلق أعلى شجرة في الغابة، ورجم العالم بالموز، وقت الغضب.

الوعي كأنه فتى

ويظل الروائي التونسي حول منطقة الأسئلة الشائكة، تلك التي تجرح الوعي، ولا تعيد تضميده، فلا إجابات في هذه البقعة الهلامية، وكأنه أراد أن يشير إلى الفتى الذي دخل النار فلم يحترق لأنه عرف أصلها، لكنه خرج ممتلئًا بوعيه الأكثر لسعًا من النار.

أوهام

ويرى رجب أن التطور الإنساني، والتقسيم الطبقي، وامتلاك الإنسان  للأدوات التي تسهم في تهيئة الراحة له، ما هي إلا وهم كبير، ابتدعته الرأسمالية، بحيث صارت تحدد احتياجات الإنسان اليومية، وتحصره في مساحة المستهلك، بحيث تسطو على ماله دون أن يشعر.

هواء مختلط باللبن

ومن خلال إبداء عبدالله الرغبة في العودة إلى قرد، فإنه يعلن عن شيخوخة العالم، ووصول الفكرة الإنسانية حول المستقبل إلى مرحلة متطورة من الصخب، وفراغ الإنسان.

ووضح ذلك في المفاهيم التي حاول الروائي التونسي تعريفها بكوميديا سوداوية، فوضع تعريفاته الأدبية للحضارة الإنسانية، والليبرالية، والديمقراطية، وأوضح من خلال تعريفاته، كم الهواء المختلط باللبن، المؤسِس لفساده بعد وقت قليل.

زوايا

ويتضح في سرد رجب قدرة غير عادية على تغيير الزوايا حول الفكرة الواحدة، فقد تناول وحشية الإنسان من منظور الإنسان نفسه، ومن ثم من منظور حيوانات متعددة، ومن منظور النبات أيضًا، وتمكن من وضع فلسفة خاصة، لكل فئة.

ويرمي رجب في سرده إلى أن كل إنسان يحمل شخصية قرد على طريقته، من خلال رغبة دفينة، في العودة إلى حياة البساطة، ويكتب في لحظة محاكاة داخلية ”أيها المسخ البشري، انزع عنك قناعك، واترك الطبيعة تكتب قصائدها بعفوية، دون أن تشوهها برداءة خطك، هذا الوطن الصغير أنت محتله، خذ مسدسك وسهامك ونواياك السيئة، واذهب“.

شد وإرخاء 

ويقدم رجب داخل الرواية وبقلم عبدالله مجموعة قصصية مصغرة، كتبها البطل في طريقه للعودة إلى قرد، ما حقق علامة فارقة في التكنيك السردي للعمل.

 وأتبع من خلال سرده، هذه القصص، بقراءة تحليلية، حول الأحداث، وكأنه شعر بصعوبة المحتوى في الجزء الأول من السرد، فأراد أن يفند للقارئ ما يهدف إليه.

ويتناول في هذه القصص الفارق بين الإنسان وتلك الكائنات التي عايشها طويلًا، وتميز الإنسان عنها باللغة، والوعي.

وتستمر رواية ”القرد الليبرالي“ وعلى مدار 135 صفحة، من القطع المتوسط، في دعوتها للإنسان، لخلع الأقنعة الزائفة، والتمسك بالحياة الخالية من التعقيدات، ونبذ القوالب الميتة التي تدعو الإنسان إلى حالة ”إسكاتولوجيا“، أي نهاية العالم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com