”30 دقيقة في حافلة مفخخة“.. توصيف الحرب السورية بشاعرية الشابة مناهل السهوي – إرم نيوز‬‎

”30 دقيقة في حافلة مفخخة“.. توصيف الحرب السورية بشاعرية الشابة مناهل السهوي

”30 دقيقة في حافلة مفخخة“.. توصيف الحرب السورية بشاعرية الشابة مناهل السهوي

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تجسد الشاعرة السورية مناهل السهوي، مشاعر مخالطةِ الحرب، في مجموعتها الشعرية تحت عنوان ”ثلاثون دقيقة في حافلة مفخخة“، وصدرت عن منشورات المتوسط 2019.

وتأتي النصوص الشِعرية في المجموعة، على هيئة مصيدة لغوية تستدرج الكثير من تراكيب الموت والحزن والمأساة والحب، إلى مشرحة عاطفية وفكرية.

أما عنوان المجموعة ”ثلاثون دقيقة في حافلة مفخخة“ فإنه باب مفتوح على الاحتمالات الصعبة، فهنالك ثلاثون دقيقة لا غير، وكل دقيقة تمضي يتناقص عنق من أعناقك الثلاثين، التي تعينك على الحياة، تلك السلسلة الغريبة من حلقات الوقت تنهار في الوعي تباعًا، بكل ما فيها من ذكريات بيضاء وسوداء، كل شيء ينهار قبل أن تحين ساعة الانفجار، كل شيء ميت ولحظة الانفجار تأتي فقط، لإضاءة المكان والتأكد من فراغه.

طعام ترميه الطائرات

وفي شِعر السهوي، تنقيب عن القطع الصغيرة التي تشكلت منها المأساة السورية وقصص الحرب، فتضيء في تركيباتها على مفردات مختصة بالموت والجانب السوداوي من الحياة، مجسدة بذلك عرضًا بلاغيًّا لأسرار تجاهلها الإعلام وكلام السياسيين، ويأتي الشعر الحقيقي ليفضح كل ذلك.

ففي قصيدة ”الطعام“ تكتب:

”الطعام الذي ترميه الطائرات،

يكون صغيرًا بحجم ذبابة سوداء،

ينظر الطفل للأعلى بذعر،

أيعقل أن تكون هذه النقطة طعامًا؟“.

كما يظهر كم البؤس السوري مع حالة الحرب، في نص“ الكلاب البوليسية“ فتكتب السهوي:

”تمتلك فرق الإنقاذ كلابًا بوليسية،

تشم رائحة الناجين.

أما هنا

فلا نملك سوى أصابعنا،

التي تتحول لأنوف، لا تشم ولا تسمع شيئًا،

لكنها تعيش وتنبش،

ليخرج الدم والركام،

ورضيع لم يتعلم الصراخ قبل موته“.

شريط سينمائي

وتربط الشاعرة السورية بين حالة الحرب، واسترجاع الإنسان لذاكرته القديمة إبان الحرب، فتتحول الحياة إلى شريط سينمائي يدور ببطء شديد، ودون تسلسل واضح، فقد ينقلك صوت انفجار في محيط منزلك، إلى مشهد آخر دون إرادة منك.

وتبتعد السهوي بخيالها نحو النهايات في الكثير من المَواطن، وتدمج بين نهايات علاقات الحب، ونهايات الحيوات فتكتب، ”البندقية وجه محطم لحبيب سابق، والزناد لحظة أخيرة، في كل ما نفعل“.

كما تبحث عن شكل النهاية وأثرها في قصيدة ”الموت الصباحي“ وتخوض رحلة إغواء للموت من أجل نهاية أقل وحشة، فتكتب:

”أيها الموت الصباحي الطويل،

امنحني اشتهاءك

لأمنحك أقدامًا حية،

قل لي أحبك.

لنبدأ بقبلة مثلًا،

ربما يكون هذا الرحيل أقل قسوة“.

عيدان كبريت

وتبحث الشاعرة السورية فيما خلف الأشياء، عن عيدان الكبريت المطفأة، التي جعلت العود الحارق بهذه الجرأة تجاه الكون، العيدان التي نسيت أنها ستحترق في آخر المعركة. وتسخر من الواقع في قصيدة ”للذين يجعلون الموت أسهل“ وتكتب:

”للذين يجعلون الموت أسهل،

كبِزّة محارب،

تُغسل جيدًا، قبل عودته للمعركة،

ماذا تفكر الأمهات وهنّ ينشرنها!“

وتعبر السهوي بجانب من الاستهزاء بكل ما يحدث، وبلغة تتميز بالجرأة في النقل، دون مواربة أو تجميل، وتفضح ما عجزت النساء عن البوح به، أثناء وبعد الحرب، من تعرضهن لاغتصابات وانتهاكات قاسية، فتكتب في قصيدة ”المدينة سرير ضخم“:

”لست لرجل واحد،

لست للجميع،

من تحصل على الرجال كلهم،

وتفقدهم في اللحظة ذاتها،

ليست بعاهرة!“.

عشبة مختلفة

ويلفت في شعر السهوي، الحديث عن الغربة الذاتية، والهجرة من الحياة إلى منطقة الأمان المؤقت فتقول: ”كقطة تحمل صغيرها بأسنانها، أهرب بهذا الحب من مكان إلى آخر“، كما تجسد ألم الفراغ الذي يتركه الراحلون، لكن حالة الشعر دومًا تبحث عن الخصوصية، ولون العشبة المختلفة، فتنشد:

”الراحلون يملكون طرقًا كثيرة للمغادرة،

على القوارب،

في الطائرات.

في المحاكم الشرعية،

الراحلون لا يتركون الأثاث ملفوفًا بالأكفان،

كما فعلت أنت!“.

وتنقل الشاعرة السورية هواجس المواطن السوري وقت سير قافلة الحرب بين البيوت الصغيرة، المحطمة من القصف، ومن الخوف، في مشهد عاطفي، عكس ما يفكر به الإنسان لتركيب معادلة النجاة، وتقول في قصيدة ”ليس من ناجين“.

”أستريح قربك،

كسلاح جانب جثة صاحبه،

حرة،

أشم الدم والبارود، وأغفو،

الدم لا يمنع المتعبين من النوم،

إلى أن يمر أحدهم، قالبًا الجثث؛

متأكدًا أنه ليس من ناجين،

جامعًا الأسلحة؛

ليرحل نحو معركة أخرى“.

آذان

وتركز السهوي على حال البيوت في حارات دمشق القديمة، حيث التزاحم، والتلاصق، بما لا يدع للفرد أن ينال حرية الصراخ، أو التحرر من آذان المجتمع، فتكتب في قصيدة ”في كل غرفة رجال غريبون“، ”لشدة تلاصق البيوت وصغرها، أشعر بأطفال يلعبون قرب طاولتي، … دمشق مخيفة، لا مكان فيها لتحزن وحيدًا، لتتأوه بحرية، أو لتقلع عن التدخين،.. لشدة تلاصق البيوت، الكل يراقبني، الآن أرتجف، أمسك قلبي ككرة غبار خفيفة، وأكتب قصيدة، قصيدة عن الأماكن المزدحمة“.

مفاتيح

وتبدو عناوين قصائد السهوي مفاتيح لمنطقة الموت، مثل: مقبرة جماعية، جثة، رصاصة، رائحة بارود، أقدام رجال، سرير من رصاص فارغ، طلقة معطوبة، فجميعها لها جانب من رائحة الحرب.

وتُلمس حيوية نصوص السهوي في تراكيبها الشعرية البسيطة لغويًّا، والمحملة بالمعاني التحتية وهو ما يكسب شِعرها عمقًا بنبرة تدعو للإكمال، مركزة على اللحظات الميتة في حياة أولئك الأفراد الذين طمست الحرب حريتاهم، وضحكاتهم، ورغباتهم، وأبقت على ذكرياتهم العنيدة، حياة مستعارة من الماضي.

ميليشيا ثقافية

ويعد هذا النسق مع التدفق الشعري، بمثابة ”ميليشيا ثقافية“ عربية، ظهرت في العقد الأخير، وتبناها جيل من الشعراء العرب الشباب، مثل: كاظم خنجر في العراق، وقيس عبد المغني في اليمن.

وتتبنى هذه الوجهة، تعرية الواقع العربي في مواجهة الحروب والجرائم الميدانية التي تحدث للأفراد، دون صراخ حتى في وجه الفاعل.

كما تمثل السهوي جيل قصيدة النثر العربية بثوبها الجديد، ذلك الشعر غير المحدد بالحواجز، المُغرّد دون قيد أو شرط، غير الجمال الفني، والموسيقى الداخلية بين الكلمات، ليندمج بمخاض ولادة يوم جديد، ونهاية سابق، في حياة الإنسان العربي.

وهذا المنتج وإن كان الأول في الشعر للكاتبة السورية الشابة؛ إلا أنه ينم عن تجربة مغموسة بثقافة، وتأمل عالٍ، ويفرز صوتًا شعريًّا جريئًا، في قبو الشعر العربي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com