ما السر في متعة الموسيقى؟ – إرم نيوز‬‎

ما السر في متعة الموسيقى؟

ما السر في متعة الموسيقى؟

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

تعد الموسيقى من أكثر الأشياء التي تشد الإنسان نحوها في الحياة، وتشغل حيزًا ليس بالهيّن من يوميات المرء، بما تنقله من مشاعر متنوعة. وإن سألنا أي شخص، لماذا تلجأ للموسيقى؟ سيجيبنا على الأغلب: لما تمنحه من المتعة والتأمل، لكن ما هو سر هذه المتعة؟ بمعنى: ماذا تفعل الموسيقى للإنسان، ليشعر بحالة المتعة هذه؟

صحبة

لقد أكد أفلاطون من قبل بأن الموسيقى تأتي بالمتعة والسرور. ومنذ القدم أعطت المعرفة البشرية لهذا الفن قيمة كبيرة، لما شكلته الموسيقى من صحبة للإنسان، وتجسيد لمشاعره. وكان موقف نيتشه من الموسيقى بأنها تتحكم بهيكل الإنسان، وتحركه، أو تجعله ساكنًا، وقد كتب:“ نصغي للموسيقى بأعصابنا“.

توقع أو انقطاع

ولو تأملنا، ماذا يمثل اللحن للإنسان، ليجعله مسرورًا، فسنجد بأن هنالك غموضًا في الأمر، وهذا الأثر بحاجة إلى تفسير. في الواقع فإن معايشتنا للحن، وتدفق النغم على الوعي، ومن بعدها الانتقال إلى حالة توقع سير النغم، يشعرنا بالسرور، وفي المقابل ستكون هنالك حالة انقطاع، في حال كان هذا التوقع خاطئًا. أليس هذا ما يحدث معنا؟

ومن جانب آخر، فإن كلمات الأغنية، تبني مخيلة في الذهن، تبعث إلى البهجة، أو تعيد تذكيرنا بمواقف قديمة، أو لحظات عاطفية، هي آلية من السيطرة على الإنسان، مثيرة، وملغزة إلى حد ما.

ولم يتمثل فكر نقدي موحد حول السر الرئيسي لمتعة الموسيقى. وكل المحاولات السابقة كانت تترك أثرًا، يسهم في توضيح الرؤية حولها.

محاكاة

في زمن أرسطو كان الميل إلى أن الموسيقى تمثل محاكاة للطبيعة، بمرافقة الشعر. فالصور ملتقطة من العالم المحيط، ويحررها الملحن عبر نغمات هي مجربة في اللاوعي البشري، ويمثل هذا الدمج، استعادة للذكريات، ولحظات التأثر.

وطالب ”ديكارت“ في القرن السابع عشر، بتتبع حركات الروح بدقة، لمعرفة سبب المتعة والعاطفة مع اللحن.

بدء انطلاق العالم

واعتبرت الموسيقى، من أهم مكونات الجمال في القرن الثامن عشر. فبعض المفكرين اعتبروا أن الموسيقى تقليد للطبيعة، كما يقلد الرسام التفاصيل، بألوانه، فإن الملحن يقلدها بالصوت. فقال“جان بابتيست“:إن الموسيقى تقلد النغمات واللكنات والتنهيدات وانحرافات الصوت، وفي الواقع، كل الأصوات التي تستخدمها الطبيعة، تنضح بالمشاعر والعواطف“. وهذا ما جعل“ جان جاك رسو“ للاعتقاد بأن الموسيقى تعيدنا لمنطقة بدء انطلاق العالم.

تمثيل الموسيقى

وفي وقت متقدم من القرن 18، اهتم المفكرون بقوة الموسيقى الشعورية، بعيدًا عن الشِعر، واعتبروا الموسيقى شكلًا للشعور، كما اعتقد ”يوهان ماتيسون“، حين قارب بين الموسيقى والعاطفة، وأشار إلى تمثيل الموسيقى للفرح، بقفزاتها اللحنية الواسعة. أما اليأس، فتمثيله الموسيقي، خطوط متلألئة. ووجد أن أكثر التمثيلات وتيرة، في حال الرغبة. وكان الأبطأ في حال الرثاء. وهو ما يفسر ميلنا لاستخدام الموسيقى في وقت لعب الرياضة، أو العمل، وغيرها.

غموض

وعارض ”تويننج“ الكلاسيكي الإنجليزي، أرسطو، بنفي كون الموسيقى تقليدًا للطبيعة. وَعَدّ النغمة محرّكة للخيال البشري دون وساطة، ومع تنوع النغمات، تتكثف، وتتنوع، الأفكار، بحيث تحقق مساحة لا محدودة من التجريب، وتأويلات غير مسبوقة.

وأتى ”كراوس“ من بعده، ليشير إلى أن للموسيقى مشاعرها الخاصة، تمنحها للمرء، ويمنحها إعجابه. واعتبر كما ”تويننج“ أن الموسيقى تُمتِع، لا بسبب تقليد الطبيعة، إنما بسبب غموضها.

ونقد ”هانسيلك“كل التأويلات السابقة للقرن 19، اعتبرت الموسيقى حركات وأصوات، تُخلّق أشكالًا، بتأملها، تتدفق المشاعر المختلفة. واعتبر أن المتعة تنجم عن اتباع التصميم الموسيقي. ونوّه إلى الغرابة الموسيقية، متعة أيضًا.

رمز ناقص

وفي القرن ال20، حاولت ”سوزان لانجر“ تحليل تخطيات ”هانسيلك“ و قالت إن:“هنالك نقصًا في بنية الموسيقى، ولا يوجد محتوى حرفي يمكن اتباعه في تفسيرها“. ورأت بأن لا اتصال بين الموسيقى وشعور الإنسان، واعتبرت الموسيقى رمزًا غير مكتمل، بما يعني أن أهميته لا تتشابه من إنسان لآخر، فلن يتحقق نفس الأثر لاستخدام نفس اللحن لشخصين. وهو ما يبرر أننا نختلق روايتنا الخاصة حول اللحن، ونضفي الطابع الدرامي على تجاربنا، ونطابق بين متعة الموسيقى، وأفكارنا الخاصة، على الرغم من اختلافها المستمر.

كما وأتى ”ماير“ ليعتبر الموسيقى مرتبطة بتحليل نفسي للإنسان. وقال إن الطبيعة الديناميكية للموسيقى، تتكشف في لحظات مناسبة للمستمع. والمتعة عند ”ماير“، بسبب اكتشاف المستمع للوقت الحقيقي لانحرافات الموسيقى، عن التوقع.

جسور معلقة

وفي القرن21،  يفسر ”روجر جرانت“ المفكر والأكاديمي الأمريكي، متعة الموسيقى، فيقول:“ كلما زادت صعوبة الموسيقى، زادت متعتها، كما لو أننا نأكل طعامًا حارًا، أو نمشي عبر الجسور المعلقة، أو نركب الخيل“. ويضيف:“ إن ما تحدثه الموسيقى من ارتباك وصدمة، يسهم في إزالة غموضها، وغموض الإنسان في آن واحد“. ودعا إلى صناعة الأشكال المختلفة من الموسيقى، بمعانٍ جديدة.

 وأشار ”جرانت“ إلى أن فصل الموسيقى عن واقعها الاجتماعي، يسهم في تسييرها بشكل أكثر قابلية للفهم. كما في نظرية ”موت المؤلف“، فلا قيمة لصانع الموسيقى بعد صنعها.

إن الموسيقى والمتعة، من أساليب التعرف على الذات الإنسانية، وكأننا ندور في لعبة الكراسي مع الموسيقى، ففي كل مرة يتولد شكل مغاير من المشاعر، وهو ما يزيد من غرابة الموسيقى وتلك الصعوبة في تفسيرها، تفتح المزيد من النوافذ للتفكير، وتصبح عملية تطويعها لتجاربنا بمثابة متعة متجددة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com