الأدب.. هل هو حاجة بشرية؟

الأدب.. هل هو حاجة بشرية؟

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يستمر الارتباط بين طبيعة الأدب ووظيفته، على الرغم من تغير الظروف المحيطة بالوجود الإنساني، لكن الكيفية التي يندرج من خلالها الأدب ضمن الفعل الإنساني تبقى في تحول دائم، وبشكل يواكب تطور هيئات المعرفة، وطرق تلقيها.

جديلات معرفية

ولطالما كان الإنسان بحاجة إلى الفنون؛ للقفز إلى أماكن غير معتادة، في التكوين البشري، واكتشاف الخفي، قديمًا كان أم طارئًا، على الذات، ويأتي على رأس هذه الجديلات المعرفية، الأدب، بصفاته الدائمة التشكل والتطور، ووظيفته المتعمقة في المجتمع البشري.

ومع مرور حقب متلاحقة عبر الزمن، وصلت بالقارب الإنساني إلى الثقافة الرقمية، فهل تغيرت النظرة إلى طبيعة الأدب ووظيفته عبر التاريخ؟

ثأر

وفي وقت ما، لم يكن هنالك فرق بين الأدب، والفلسفة، والدين، ومثال على ذلك إسكيليوس وهسيود عند اليونان، وجاء من بعد ذلك أفلاطون الذي تناول في عصره، المعركة بين الشعر والفلسفة، ووصف العلاقة بينهما، بأنها ثأر قديم، وقد قام بطرد كافة الشعراء من جمهوريته، وأبقى على القليل منهم، من التزموا بتعليم المبادئ الأخلاقية في كتاباتهم.

واعتبر أفلاطون بأن الشعر يأخذ المجتمع إلى الهاوية، إذا ما خلا من القيمة الأخلاقية، فيما اعتبر ”بو“ أيضًا، أن الشعر أداة للتعليم، وإننا حين نربط بين المتعة والمنفعة، فنكون نتحدث عن وظيفة الشعر، لا طبيعته، وإذا ما اعتبرنا الشعر صنعة، فإننا نهرق المتعة الأصيلة.

حقيقة وتأويلات

ولقد كان للكاتب قيمة، على مدار المسير الإنساني، لأن ما يقدمه للجمع البشري، يفوق ما يمتلكه الخيال الإنساني، ويضيف إلى تأملاته المستحضرة ذاتيًا.

كما ساهم الأديب منذ نشأة الحضارة الإنسانية في صنع الفكر المجتمعي، وقاد الشعوب للتغيير. وهنا نتساءل، هل للأدب وظيفة واحدة، في حواره مع النسيج الإنساني، أم وظائف متعددة؟ من المؤكد بأن الأدب يعمل بشكل مستمر على تقديم الحقيقة من جهات مختلفة، وبتأويلات لا نهائية.

البديل

وتباينت الآراء بين الفلاسفة والأدباء والنقاد حول المساحة التي يحتلها الأدب من حياة الإنسان، وعبر الناقد الانجليزي ماثيو أرنولد عن سيطرة الأدب على الوعي البشري، حين قال: ”يمكن للأدب أن يحل محل الفلسفة والدين في حياة الإنسان“، لكن جاء الرد من إليوت على أرنلود، بالقول: ”لا شيء في هذا العالم، ممكن أن يحل بديلًا لشيء آخر“.

واعتبر أرسطو الشعر بأنه أكثر فلسفة من التاريخ، لأن التاريخ يتناول أشياءً قد وقعت، لكن الشعر يتناول ما يحتمل وقوعه. وقد اختلف أرسطو في وجهته هذه عن معلمه أفلاطون.

جزئيات

وحين يعار الشعر هذا الاهتمام، ليس لأنه يمتلك الطبيعة الجمالية، بل لأنه يهدينا إلى جزئيات، ليست من شأن العلم أو الفلسفة، كما اعتبر أرسطو بأن الطبيعة ناقصة وهذا هو شأن الأدب في إكمال نقصها، بذلك اكتسب الأدب مكانته الرفيعة على مدار الحوار البشري مع المعرفة، فردًا وجمعًا.

وقد قال“رنيه وليك“ واصفًا مكانة الأدب من بقية العلوم: ”الأدب أكثر عمومية من التاريخ، لكنه أكثر خصوصية من علم النفس والاجتماع“. كما قال: ”في استطاعة القصاص أن يعلمنا عن الطبيعة البشرية، أكثر مما نتعلمه من علماء النفس“.

إنزيم

إنه في كل لحظة هنالك معمل أدبي يدور، وحراك فكري، يتم إنتاجه للعالم، ويواكب هذا العمل الإنزيمي، تشكل، ونحت مغاير للركب الإنساني.

وبما أن مصنع المعرفة يستمد خاماته من صلب المجتمع البشري، فإن ما يقدمه الأديب، هو نبتة استقت جذورها من الحقيقة الإنسانية، وماهية هذا الإنبات، وأثره، هما الفيصل في استمرار غرس الأدب من عدمه.

ويقول مونتجمري بليجون: ”إن الأديب داعية غير مسؤول، بمعنى أن كل كاتب له وجهة نظر في الحياة، وأن أثر العمل الأدبي، هو حض القارئ على تقبل وجهة النظر هذه، وهذا الحض يأتي دائمًا بطريق غير مشروع، إذ أن القارئ يساق دائمًا إلى الإيمان بشيء ما، وتأتي موافقته وهو سليب الإرادة؛ لأن طريقة بسط الموضوع تجتذبه، وتأخذ بلبابه“.

صهر الحديد

ومع توالي التجارب الإنسانية، ظهر في كل حقبة وجهات مغايرة يقدمها الفكر الإنساني، وبالتالي وضح أثرها على ما يقدمه الأدب، ففي العصر الكلاسيكي، كان ما هو مطلوب من الأدب، العمل على تصحيح الأخطاء الإنسانية، والوصول بالمرء إلى بر الأمان، وتنقية النفس من العيوب. وفي العصر الرومانسي، انحسر الفعل الأدبي من مده الاجتماعي، وحوصرت التخيلات الأدبية، داخل نطاق الذات الإنسانية، وأهملت المفرزات المجتمعية، مثل حديد غير قابل للنقل.

وفي حقبة الواقعية، عاد الأدب ليتوغل في المجتمع، ويصف الخراب الواقعي، ويحاول معالجة الأزمة الإنسانية مع تغيرات الوجود المرهقة.

أما حقبة الجمالية، فاعتبر الأدب مؤديًا للدور الجمالي، الباعث إلى المتعة واللذة الإنسانية، وهو ما يبين تغير طبيعة ووظيفة الأدب تبعًا لتقلبات العراك الإنساني مع الطبيعة، والمجتمع، من حوله.

ويوضح سارتر أن الكاتب يعيش بوعي مأزوم، حين يقول: ”الكاتب يعمل في مجتمع تسوده الفوارق، من كل نوع، وتنتصب داخله العراقيل، أمام ممارسة الناس لحرياتهم“.

مركز لا أطراف

وأيًا كانت الوظائف التي يحملها الأدب عبر التاريخ، سواء المحاكاة للوقائع الإنسانية، أم تقديم النصح، أم التعبير للإنسان عن أفكاره الداخلية، أم خلق حياة بديلة، أم إضافة معرفة ذاتية، وسفر عن بعد، أم الاقتصار على المتعة، فإن المشروع الأدبي شديد الالتصاق بالوعي الإنساني، إلى الحد الذي يمكنه من تمثيل ذاكرة الإنسان.

ويتحتم على  الوعي الجمعي أن يفسح للأدب، الطريق لقيادة النسيج الاجتماعي، وتصحيح مكانة الأدب المعرفية، نحو المركز لا الأطراف، فأيما مجتمع يخسر مبدعيه، لا يكون إلا في قاع مصفاة الوجود.

ولما للخيال من قيمة في جلب العالم خطوة على الأقل للأمام، فإن الأدب وهو قائم على أشواط تخييل مستمرة، هو الأقدر على اكتشاف الطرق المؤدية إلى الحقيقة، وتقول زهور كرام: ”الشعوب التي تفتقر للتخيل، شعوب هاربة من المستقبل“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com