حبيب الصايغ.. جمع مجد الثقافة من أطرافه وترجل في أوج العطاء

حبيب الصايغ.. جمع مجد الثقافة من أطرافه وترجل في أوج العطاء

المصدر: إرم نيوز ـ إبراهيم حاج عبدي

في مقطع شعري من ديوان ”وردة الكهولة“ يقول الشاعر والكاتب الإماراتي الراحل حبيب الصايغ: كبرت وردة الحزن سوداء، معتمة، وحميمية في الصدور، حين أهملت الأرض أبناءها، وغفت في سرير الدهور“. ومن فجائع القدر أن يتحول هذا المقطع الحزين إلى نشيد يرثي صاحبه الذي غادر الحياة، فجأة، وهو في قمة عطائه الثقافي والإبداعي، عن عمر ناهز 64 عامًا.

على مدى عقود من الاجتهاد والمثابرة والدأب، تحول حبيب الصايغ إلى وجه ثقافي بارز لا يكاد يغيب عن أي مناسبة ثقافية، ولا يتوانى عن الاجتهاد والتجريب والتجديد، ذلك أن الهم الثقافي العام كان شاغله الرئيس في بلد انهمك أبناؤه ومسؤولوه بتطوير البلاد، وتحقيق قفزات هائلة في مجال الحداثة والرخاء الاقتصادي.

إلا أن الصايغ حافظ على صوته الإبداعي الخافت، وسط هذا الضجيج الاقتصادي المثمر، ليتحول إلى رمز ثقافي ليس فقط في بلده الإمارات، بل كذلك على مستوى العالم العربي، ناهيك عن أن قصائده ترجمت إلى لغات عالمية عدة، بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والصينية، فعانقت أعين القارئ البعيد مفردات الشاعر الأليفة، رغم أنها مستمدة من بيئته المحلية الزاخرة بالجماليات المهملة التي وضعها الشاعر في متن قصيدته.

ومن أبرز دواوينه ”التصريح الأخير للناطق باسم نفسه“، و“قصائد إلى بيروت“، و“ميارى“، و“الملامح“، و“قصائد على بحر البحر“، و“وردة الكهولة“، و“غد“، و“رسم بياني لأسراب الزرافات“، و“أُسمّي الردى ولدي“، و“كسر في الوزن“، و“ثلاثة أرباع الغيم“، وسواها من الدواوين التي يجمع النقاد على أنها حافلة بالصور والتراكيب اللغوية الشعرية المبتكرة، فضلًا عن الأفكار والمعاني الفلسفية وتوظيف الميثولوجيا، وطرح الأسئلة الوجودية، دون إغفال تفاصيل الحياة اليومية البسيطة.

ورأى بعض النقاد الذين درسوا دواوين الصايغ، أن الراحل استطاع تقديم رؤى شعرية سحرت القارئ، عبر الاتكاء على لغة موغلة في المكاشفة والبوح، والاستنجاد بذاكرة تضرب جذورها في السرديات العربية الكبرى، وتغوص في بحور الشعر العربي، قديمه والحديث، دون أن ينسى الاستعانة بمخيلة خصبة تستجيب لنداءات الروح الباحثة عن صفو الكلام، وسحر البيان.

ولئن عرف الراحل كشاعر حصيف واءم في تجربته بين الأنواع الشعرية المختلفة من الشعر العمودي إلى شعر التفعلية إلى قصيدة النثر، دون تفضيل نوع شعري على آخر، إلا أن هذا الترحال في فضاءات الشعر القصية، لم يمنعه من الاهتمام بتطوير الحركة الثقافية في بلاده، إذ بدا الراحل الجسور أشبه بقائد يقود أوركسترا الثقافة، بمختلف تجلياتها، في بلاده، محققًا تناغمًا مدهشًا يندر أن يستطيع فرد واحد الإحاطة بها.

وكان الراحل أسس سلسلة من المطبوعات والملاحق أضفت على الحياة الثقافية الإماراتية المزيد من الغنى والتميّز، كما شغل مناصب هامة وعديدة أتاحت له ابتكار الكثير من المشاريع الثقافية الطموحة التي نهلت من التراث العربي والخليجي الثري، مثلما انفتحت على نظريات الحداثة الغربية، ليشكل كل ذلك مزيجًا فريدًا في سياق تجربة تستحق دراسة متأنية، ومعمقة.

وغالبًا ما كان يجمع الراحل بين عدة مناصب في وقت واحد، ذلك أن طموحه في تكريس قيم الثقافة والفن والجمال لم يكن يعرف حدودًا، وقبيل رحيله كان الصايغ يشغل منصب رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وأمين عام الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ورئيس تحرير صحيفة ”الخليج“ الإماراتية المسؤول، بعد أن شغل عشرات المواقع الريادية في حقول الثقافة والفن.

وفي موازاة الشعر، والاهتمام بالحيز الثقافي العام، وجد الصايغ في الصحافة متنفسًا آخر يوصل من خلاله أفكاره ورؤاه إلى الأجيال الصاعدة، مستندًا في ذلك إلى رصيد حافل من الخبرات والتجارب والتأملات التي عبر عنها في مئات المقالات والأبحاث التي عكست في مجملها، لوحة فسيفسائية لبلد حقق في وقت قياسي انجازات على مختلف الصعد.

كما كرم الصايغ، في أكثر من مناسبة، وحاز العديد من الجوائر منها جائزة جائزة تريم عمران -فئة رواد الصحافة، العام 2004، وكرمته جمعية الصحفيين العام 2006 كأول من قضى 35 عامًا في خدمة الصحافة الوطنية، وحصل في العام 2007 على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وكانت المرة الأولى التي تمنح لشاعر، فضلًا عن عشرات الجوائز الأخرى التي لا يتسع المجال، هنا، لذكرها .

وليس أدل على أهمية ومكانة الشاعر الراحل، مما قاله وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات، أنور قرقاش الذي رثى الراحل مغردًا، بأن الإمارات فقدت الأديب المبدع وصاحب القلم العاقل والجريء حبيب الصايغ، وهو في قمة عطائه الأدبي والفكري والوطني“، مشيرًا إلى أنه سيفتقده على المستوى الشخصي كصديق وصاحب قلم مبدع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com