في ذكرى ميلاده.. استرجاع لتشابكات حواس محمود درويش مع الزمن

في ذكرى ميلاده.. استرجاع لتشابكات حواس محمود درويش مع الزمن

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في الذكرى الثامنة والسبعين لميلاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والتي تصادف  مثل هذا اليوم، ينهض درويش من عزلته ويروي بهيئته الفكروية، وعي المتلقي العربي الماثل أمام الحياة، بغية التسرب بين أسرارها.

 وترك درويش تراثًا أدبيًا بالغ الأهمية واللمعان، تجسّد في منشورات من أهمها: “ في حضرة الغياب، جدارية، حالة حصار، يوميات الحزن العادي، أثر الفراشة، كزهر اللوز أو أبعد“.

ورحل درويش في أغسطس 2008 تاركًا فلسفة أدبية لا تهتز لمطبات تعكر صفو الطريق المعرفي فدرويش لم يكن جسدًا ميتافيزيقيًا، يمثل حضوره بملء مساحة من الفراغ، بل كونًا لا يكف عن إنتاج مستقبله مستمدًا وجوده من ماضٍ، هو جذر للحاضر الدائم الهروب.

كان درويش على الدوام في صراع مع أسماء الزمن، فلم تكن المعرفة لديه بسؤالها الكبير بمعزل عن التشابك مع يد الزمن، الذي يمكّن حضوره في كل لحظة تأمل وعراك مع الذات، وهو البداية لكل إحساس، والقاتل لكل دهشة، حينما يضع خيوطه مقسمًا ديمومة المادية والحسية الإنسانية.

الهوية

يولي درويش الزمن مكانته، لمعرفته الصائبة بهيمنته على الكينونة الآدمية، وحتى كينونة الثوابت والمتحركات من حوله، فلطالما عبث الزمن بهوية درويش، فكان وجوده تقاطعًا بين حدث ولحظة، لم يعرف ما سر تواجدها في تلك الرحلة مع التقويم. يقول درويش: ”ولدت بلا زفة، وبلا قابلة، وسميت باسمي مصادفة، وانتميت إلى عائلة مصادفة“.

هنا يرجع درويش إلى الذاكرة، هي حركة عبث في صناديق الطفولة، بل طورية  النشأة والتكوين، منذ النقطة الأولى، هو يرجع بذلك لماهية  السر، لسؤال الوجود الأول.

مونولوج مع العدم

ويصنع درويش حوار المونولوج مع العدم، بقوله: ”عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفة، وأخيّب ظن العدم، من أنا لأخيّب ظن العدم؟“، صراعًا بين استمرارية الإنسان وتوقفه عن ممارسة الشغب على مسرح لا يعنيه حمل الجسد بقدر ما تتمثل الفكرة لتبقى، ويذهب هو.

لا تعبر النهر مرتين

في حين آخر يخلط درويش الذكرى بالزمن، مثل طفل يلهو بألعاب التفكيك والتجميع، مغمضًا عينيه عن صورته التي تتغير مع كل رمية نرد تتقاطع إحداثيًا مع اللحظة. على قاعدة: ”إنك لا تعبر النهر مرتين“، فيقول درويش: ”لم ينس محدثو المثقل بالأمل المتجدد، أن يبدي اعتزازه بتفاصيل الذكريات“. إنه بذلك يعيد تحقيق ذاته مع كل لحظة مضت في طيات الزمن، يحياها  كما يحياها الآن في تفاصيل شحنت بها حواسه، ونقلها لغيره من خلال شعره.

القداسة والصدفة

ويعبر درويش حاملًا كيس الزمن إلى كهوف الصدفة، إنه بذلك يسترجع كل أسرار القطار السريع للوقت، ويسخر من حالته المستعجلة فنجده يقول:“لا وقت للوقت“.

ويشرّح مصدر الصدفة مع نقاط اللحظة ويمنحها التجسيد، والتجديد، في المعنى والمحتوى، مبرزًا القيمة الوجودية لها عند الإنسان فيقول: مصادفة صارت الأرض أرضًا مقدسة، لا لأن بحيراتها ورباها و أشجارها، نسخة عن فراديس علوية، بل لأن نبيًا تمشى هناك وصلى على صخرة؛ فبكت وهوى التل من خشية الله، مع مغمى عليه ”.

تلك القداسة لم تكن لتكون، لولا الحدث المسقط على هنيهة؛ صانعًا القيمة القدسية المهيمنة على الوعي. إن درويش يزرع الصدفة مثل شتلة حنون تنمو مع سيرورة الزمن، لتمهد  لصيرورة أخرى، لا تتوقف طالما أن الحس الإنساني يمارس مده على الأرض.

تلك الصورة المنشأة بفعل تجانس الصدفة والحدث، ممررًا جدلية، بسؤال وجودي: من منهما يصنع الآخر، من منهما يشرعن الآخر؟ وبناء عليهما يشيد الذهن طوابقه، دون قاعدة مثبتة، وبالتالي، تأتي لحظة الانهيار أمام اندهاش، في اعتراض شيء غامض المنبت، لربما يفعلها كثيرًا شعر درويش.

محاكمة الموت

ويعبر درويش إلى مكانة السر الأعظم، بنبرة السخرية، وكأنه ينشئ محاكمة للموت، وسط قضبان تعزل بواسطتها اللغة الموت عن إمكانية العيش. إن درويش كان ملمُا بكل الأفكار التي تدور حول بؤرة الموت، وكان يصوغ حياة في المجاز، تسلب من الموت هيبته؛ لتحيله منكسرًا مهزومًا.

ويقول ”هزمتك يا موت الفنون جميعها“. هو بهذا يهتك قرصنة الموت على فعالية الإنتاج الفكري للإنسان، على مدارات الزمن، فتبقى القيمة الإنسانية مثل نجم يلمع ويدور، رغم انزواء  الجسد تحت فكي الموت.

ويلسع درويش الموت بخبرة ثعبان الوعي حين يطلب منه الرفقة. فيقول: ”كن صديقًا طيبًا يا موت، كن معنى ثقافيًا لأدرك كنه حكمتك الخبيئة“. تلك المسألة الوجودية الكبرى في تهميش فعل الموت لم تتوقف عن الانبثاق من موروث درويش.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com