هل هو عصر استقالة المثقف العربي؟

هل هو عصر استقالة المثقف العربي؟

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

تعتبر المجتمعات بلا قيمة، ودون أي أفق في غياب المثقف. الذي يعد من أهم المقومات لتوجيه المجتمع نحو الأهداف الأساسية لتطوره، ويعرف المجتمع بأهمية وجوده، وكيفية امتلاك المسببات الكبرى للتنمية، والتطوير الأخلاقي والاجتماعي داخل أي تجمع.

ثقافة جمعية

ولا يوجد تعريف واحد ممكن وضعه للمثقف؛ لأن ملكة التفكير طبيعي أن تتواجد لكل من يمتلك عقلًا إنسانيًا، والبحث عن الاختلاف مهارة مكتسبة، والفكرة تكمن في وعي كل شخص بأهمية الدور الذي يقوم به، لتحقيق ثقافة جمعية.

والسؤال، هل نحن في زمن غياب التثقيف بصفة المركزية؟ خاصة بعد انتشار الثقافة الرقمية؟ حيث أصبح كل شخص يبحث عن معلومات تحدد هويته دون توجيه أو مركزية المثقف، كما في عصر طه حسين ويوسف إدريس. هل فعلًا هو زمن استقالة المثقف على شاكلة توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ومؤخرًا محمود درويش، ونزار قباني؟

المثقف العضوي

ولأنه من المطلوب دائمًا أن يحمل أحد الأشخاص، أو مجموعة، أفكار ومبادئ أي جماعة ويسعون إلى الحفاظ على قوامها، ويحاولون تطويرها وفقًا للتغيرات الدائمة التي يمر بها أي كيان في الحياة، وهنا يتحدد دور المثقف وأهميته، فقيمته ليست في الحفاظ على مجموع  القيم والمبادئ التي تحكم المجتمع، بل الحفاظ على المجتمع، والعمل من أجل توعيته من كل ما يعارض نموه وتقدمه. ولقد منح غرامشي الفيلسوف الإيطالي صفة المثقف لكل مواطن بقوله: ”كل الناس مثقفون، لكن ليس جميعهم يقوم بدور الثقافة ”.

فإنه هنا يوجه دعوة للجميع بتحمل المسؤولية الثقافية، والتثقيفية؛ لأنه يعتبر بأن البنية الاجتماعية لا يتكلل لها النجاح، والنمو، والازدهار، دون هم جمعي يحتوي كافة أطياف وطبقات المجتمع.

ولقد منح غرامشي لقب المثقف العضوي، للمثقف الذي يأتي من داخل طبقته الاجتماعية، ينتمي لها، ويتحدث بفكر توعوي؛ بهدف تحقيق هيمنة فكرية، وهنا نميز الهيمنة عن السيطرة التي تأتي بالسلاح، بينما الهيمنة تأتي بقبول الناس، بتعريفهم وتعليمهم مسؤولياتهم، والتغلغل الفكري من خلال حرب ناعمة، دون قتال، من خلال الماكينات الإعلامية والنقابات والجمعيات الأهلية، والتجمعات الثقافية.

ويمكن تمييز المثقف العضوي عن المثقف التقليدي، حيث إن الأخير يحمل فكرًا غير قابل للدخول لمعترك الحياة اليومية للمواطن، فكر غير قابل للتطور، وكأنه يتحدث عن عالم انتهى من مئات السنين، هذا المثقف لا يقدم للمجتمع إلا عقبات، وحواجز تحد من قدرة المجتمع على تحقيق أهدافه.

حجارة راكدة

إن المثقف العربي بحاجة إلى الانطلاق من أسس معاناة الناس من حوله، وإن القدرة على التغيير تأتي من خلال التلاحم مع الأفكار البسيطة التي تهدم جمال اليوميات البسيطة لأي فئة في المجتمع. فالناس بحاجة لمن يصوغ لهم أفكارهم، ويقدمها لمكان الطلب والعرض. كما أن الناس يبحثون عمن يعلمهم ويقدم لهم الوعي بشكل تجريبي وليس نظريًا، فنحن شعوب نفتقر لثقافة القراءة، والبحث، والتأمل في كافة الأخبار المعنونة التي تمر إلى العقول يوميًا دون تنقية، ومع الوقت تشكل جزءًا أصيلًا من الوعي الجمعي. وهنا يأتي دور المثقف العضوي، في تقديم أفكار مختلفة تحرك الأحجار الراكدة في عقول الناس، وتغير من مفاهيم لطالما منعتهم من تناول الأمور بشكلها الصحيح.

صناعة ثقيلة

إن الثقافة ليس كما هو متداول عند البعض حالة من الترف، بل هي صناعة من الحجم الثقيل. ولا يمكن لأي مجموع من الناس أن يقدموا ذاتهم بشكل صحيح، دون وجود مفكرين وفلاسفة من بينهم. وفي حال بقي الناس على نفس النسق وأهملوا تطوير الثقافة؛ فإن النتيجة الحتمية تكون السقوط والانهيار.

وعلى المثقف يقع الحمل الكبير، وهنا يأتي دور الكاتب، والمعلم، والفنان، والطبيب، بصفتهم الأكثر احتكاكًا بالطبقات المختلفة من الشعوب، وحيث إن كلماتهم الأكثر إيغالًا في نفوس الناس. عليهم تقع مسؤولية نشر الوعي الاجتماعي، والتعليمي، والثقافي، والصحي وتعريف المواطن بالعادات السيئة في حياته، ومنحه طرقًا إبداعية في سبيل الخلاص منها. كما أن ما يقدمه المثقف يجب أن يكون نابعًا من أصالة المنتج الثقافي والتراثي القديم، حتى لا يكون نشازًا لا يتقبله العقل البسيط، وبالتالي يكون سمعة سيئة لمن يأتي بعده من المجددين.

هناك الكثير ممن يمتلكون الوعي والفكر لكن هناك استقالة عن الواقع، وكأن العزلة التي يفرضونها حولهم، اسمك من أن تصل بهم إلى الناس، وهنا المعضلة في المثقف، فهو بما يمتلكه من قدرات مركبة، يجب أن يجد طرقًا ليجعل أفكاره تسبح في المجتمع، بالانخراط بالناس، ونقل فكره لهم وتعليمهم ثقافة النقد السليم. بحيث يشكل صوتًا لأحلامهم، وعمودًا يحمي ثقافتهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com