هل تجاوز اليونانيون القدماء الحد في حب الموسيقى؟

هل تجاوز اليونانيون القدماء الحد في حب الموسيقى؟

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

برع اليونانيون القدماء في الفنون، وخاصة الموسيقى، حتى منطلق هذه الكلمة من خلالهم، فتعود إلى ربة الفن “muse” وهي من خلقها، ولقد كان للفلاسفة الإغريق دور في توجيه أثر الموسيقى في حياة المجتمع اليوناني، هوميروس كان يقول: “بالموسيقى يبتهل الإنسان إلى الآلهة، لتخلصه من المرض”، أما أرخيليوس، فكان من المساهمين في تطوير الإيقاع في الأغاني، ولقد وضع فيثاغورث 600 ق.م، قوانين لعلم الموسيقى، بناءً على قالب عددي، واكتشف من بعدها قرار السلم وجوابه، واعتقد الفيثاغورثيون المتأخرون، بأن الموسيقى تتولد من حركة الأجرام السماوية، واعتقد دامون أن الموسيقى لنشر الفضيلة، وبناء دولة قوية، وطالب بمنع التغيير في الأنماط الموسيقية، لأنها تؤثر في السلوك الاجتماعي، لما كان من اعتقاد لدى المفكر اليوناني بعظم دور الموسيقى الديني، والاجتماعي، بما يدلل بأن الموسيقى  تسربت لليونانيين القدماء من الدين، وقد قال ديمقريطس: ” إن الشاعر، يحمل قبسًا من الروح الإلهية، وأن الموسيقى قوة تعليمية، واجتماعية تتيح للإنسان، أن يحفظ التوازن بين الرياضة البدنية، والآداب، وكان يؤمن بالتشارك مع الفيثاغورثيون، بأن الموسيقى في منطقة وسط بين  الآلهة والإنسان، وأن الرسالة الإلهية للفنان المله‍م، تحتم عليه أن يساعد الإنسان بعث التوافق، بين نفسه، والنفس الكلية، عن طريق إيقاع الموسيقى، ورشاقتها.

إن اعتبار الموسيقى وثيقة ربط بالقراءة، والكتابة، والرياضيات، والرسم، والشعر، والأخلاق، عزز من إفراز الأفكار التي ترافقها، فيما يتعلق في طريقة نثرها على المسمع، فأكد أفلاطون 347ق.م، على قدرة الموسيقى على نشر الفضيلة، وشدد على أهميتها في بناء وعي الطفل بحيث يستطيع التمييز بين الخير والشر وقد أكد سقراط 400ق.م، من قبله، على أن الموسيقى والفلسفة، تشكلان النفس الإنسانية، وقد قص قبل وفاته حلمه بمطلب ظنه من الآلهة: ارع الموسيقى وألفها، واعتبر أفلاطون، أن الموسيقى تنمي لدى الطفل، دون أن يشعر، قدرات وعادات مرهفة، وتمنحه وعيًا مشرقًا.

أما أرسطو، فقد  استخدم علم الموسيقى في علاج المختلين عقليًا، حيث قام بتوسيع النظرية، بعد اقتباسها من الكهنة الفراعنة، واعتقد بأن الموسيقى تؤثر على النفس البشرية، من خلال إحداث نشوة دينية، أو ” أحوال” كما سماها اليونانيون، وقد قال: إن الألحان الخالصة، هي بدورها محاكاة للخلق”، وأكد على أهمية الموسيقى والشعر، في صقل باطن الإنسان.

حتى بركليس مؤسس الإمبراطورية اليونانية، اهتم بجعل بطانته، من المفكرين والموسيقيين، مثل سوفوكليس، وأوريدوس، اللذين دافعا عن تجديد الموسيقى، وقد كان الموسيقي  دامون من أشهر من كان حول الحاكم، وقد نال مديحًا من أفلاطون، بوصفه، حجة في الموسيقى.

على الجانب الآخر، وبالرغم من المكانة العظيمة التي منحها  الفلاسفة اليونانيون القدماء للموسيقى، إلا أنهم شكلوا وصاية على التغيير في الهيئة المعتادة للموسيقى، ولم تكن الطقوس التي تبذر بها الموسيقى، غير الذي يتعلق بالمراسم الدينية، وقد شدد الأكثرية من مفكري الإغريق، على عدم التجديد في الطريقة والقوالب التي تعزف من خلالها الموسيقى، وكان أفلاطون يؤكد على أن الصخب الصوتي، والتخليط، يؤدي إلى التضارب في النفس البشرية، ويحبط علاقتها بالأشياء. واعتبر أفلاطون الناي، يسبب الغواية، ورأي بأن الليرا، والصنج، ومزمار الرعاة، هي الآلات المأمونة أخلاقيًا على نفوس الصغار، وخشي أن تؤدي المعزوفات الناعمة، إلى تخدير أعصاب المواطنين، مما يجعل أثينا تحت رحمة الأعداء، وقد أشاد أفلاطون بمعاقبة أسبرطة، للفنان ترباندر، لأنه قام فقط بإضافة وتر للآلة الموسيقية، وقد كان شهيرًا في  عزف الصنج وعوقب بحرمانه من العزف، ودعا أفلاطون إلى محاربة التجديد في الموسيقى، خوفًا من انتشار الفوضى في البلاد، لأنها تلعب بالموازين الأساسية للنظام الاجتماعي، من خلال تحكمها بالمشاعر.

وقد ألمح أرسطو إلى أن الاستخدام المفرط للموسيقى، يؤدي إلى الابتذال، وأن الموسيقى لا تقتصر على المظهر الخارجي للسلوك الإنساني،  وإنما تمثل الدلالة الباطنية والحياة الانفعالية لأحوال الإنسان، بشكل يفوق تأثير غيرها، لذا وجب تنظيمها لما يخدم الموروث الديني والأخلاقي.

برغم إيلاء الفلاسفة في دولة الإغريق الاهتمام النوعي للفن وخاصة الموسيقى، إلا أن العقيدة الفلسفية لديهم لم تحتمل أي تجديد مهما كان بسيطًا، خشية من أن قبول التجديد في شيء، يكون سببًا في فتح المزيد من الأبواب للإسراف فيه، وانقلب هذا المسار من الفكر عائقًا في التجديد والإضافة للموسيقى، ما شكل حجر عثرة في طريق الكثير من الفنانين وقتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع