أوباما يتجاهل خلاف آبل والـ FBI مطالبًا بالتنازل عن الخصوصية

أوباما يتجاهل خلاف آبل والـ FBI مطالبًا بالتنازل عن الخصوصية

 انطلق مؤتمر “ساوث باي ساوث ويست”، في أوستين في ولاية تكساس الأمريكية لهذا العام، محتفلا بمرور ثلاثة عقود على انطلاقة مؤتمراته، التي تُعنى بالموسيقى والأفلام والتكنولوجيا والأفكار الريادية الشهيرة، ومقدمًا في هذه النسخة أعظم ضيوفه على الإطلاق: الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

داخل قاعة ديل هال، في المركز الكبير للعروض الفنية، استعرض الرئيس الأمريكي باراك أوباما جنبًا إلى جنب مع إيفات سميث، رئيس تحرير جريدة تكساس تريبون، التفاعل المدني في إطار التكنولوجيا. وهنا لا يخفى على أحد أن وادي السيليكون (منطقة تضم أشهر شركات التكنولوجيا) له الكثير من النزاعات مع الحكومة الأمريكية بشكل مستمر، ومن أشهرها مؤخرًا الخلاف القانوني بين شركة أبل والإف بي آي. لا يعد أوباما من أكثر الأفراد إلماما بالتكنولوجيا، فقد دأب يردد “أنا من أوائل من تكيف مع التكنولوجيا-early adapter” بدلا من أن يقول “أول من تبنّاها- early adopter”، وأهم المعلومات التكنولوجية التي تحدث عنها لم تتجاوز قضية فشل الموقع الإلكتروني لقانون التأمين الصحي، والذي قال عنه إنه يساعد في إيصال مركز الخدمات الرقمية الأمريكية USDS للجميع.

وخلال مؤتمر حضرته الصحافة جرى أثناء الحفل، وصف مدير الخدمات، هالي فان دايك، الخدمات الرقمية الأمريكية USDS بقوله “هي شبكة في طور نموها وتعمل بشكل منظم مع الجهات الحكومية لتحقيق تغيير جذري”، بينما يصف موقع الخدمات نفسه في موقعه الالكتروني، بأنه “يسعى لقلب آلية عمل الحكومة الفيدرالية مع الشعب الأمريكي”.

لا مجال للوم الرئيس الأمريكي لعدم معرفته بالتفاصيل الدقيقة لعمليات التشفير، لكن هذا بدا جزءا من الأسباب التي جعلت الأمر صعبا عليه في أن ينمّق اتفاقا مع المجتمع التكنولوجي. فقد اتسمت رسالته يوم الجمعة بالغموض والمثالية معًا، إذ طالب باشراك المجتمع المدني، مشددًا على أن الحكومة ليست عدوا، كما تحدث عن دور التكنولوجيا في زيادة نسبة المشاركة في الانتخابات، وكيف تُحسن من مستوى التعليم ومحاربة التطرف.

وفيما يتعلق بالتنظيم الارهابي داعش، وشبكته الالكترونية الواسعة، شدد الرئيس الأمريكي، ولعدة أسباب، على أن الحكومة لن تكون الحامي الأول في منع هذا التنظيم الارهابي من الوصول إلى الفتيان المراهقين، إذا ما تعلق الأمر بالتجنيد الالكتروني.

وقال أوباما؛ موجهًا كلامه لمجتمع التكنولوجيا، “لقد اكتشفتم كيف يمكننا الوصول للفتيان المستهدفين برسائل التطرف”، وأضاف “أخبرونا إذن – استنادا إلى التحليل والبيانات والبرمجيات اللوغارتمية التي تتعاملون معها بشكل يومي لترويج منتجكم- ما هو الاختراق الحقيقي؟ وكيف يمكننا إبراز الأحداث المؤثرة التي تجري الآن، بحيث نضعها في مكان يصل إليه أكبر قدر من الناس؟”.

نزاع متشعب

وبينما يعدّ النزاع بين شركة آبل و الإف بي آي، الذي شغل المرافعات القضائية لفترة من الوقت، مثالا بالغ الوضوح على عدم الاتفاق بين التكنولوجيا والحكومة، لم يتطرق أوباما للموضوع في مقابلته للسيد سميث.

واضطر رئيس التحرير، لتناول القضية كأول مسألة للإجابة عنها، عندما حان الوقت للإجابة عن الأسئلة المطروحة من قراء تكساس تريبيون، وهنا توسع الرئيس الأمريكي في الإجابات، إلى أن وصل إلى فكرة “الموازنة بين الحاجة لإنفاذ القانون بإجراء التحقيقات وبين الحاجة لحماية خصوصية المواطنين”.

وأضاف أوباما، “إننا دوما نتنازل عن خصوصيتنا في مجالات ضيقة لضمان أن تقوم الحكومة بعملها”، مشيرا أن “إنفاذ القانون يمكن أن يثير الفوضى في منزل شخص ما للبحث عن أدلة، إن كان مشتبها به في اختطاف أحد الأطفال أو في حياكة مؤامرة إرهابية.. فنحن نتنازل عن خصوصيتنا أثناء تقديم حقائبنا للتفتيش في المطارات وذلك لأسباب طبيعية، ونجري اختبار تعاطي الخمر أثناء القيادة لأسباب وجيهة، ومثل هذه التنازلات نحتاج إلى توسيعها في العالم الرقمي أيضا”.

وتابع “جزء منا يمنع الإرهاب أو يمنع الأشخاص من تحطيم النظام المالي أو النظام الجوي لمراقبة السير أو كافة مجموعات الأنظمة الأخرى، التي تعد محوسبة بصورة كبيرة، إذ لا يسمح للهاكرز (منتهكي المعلومات) سواء من جهة حكومية أو غير حكومية باختراق كل ما سبق و نشر الفوضى فيها”.

وقال الرئيس الأمريكي، “لدينا اثنتان من القيم وكلاهما مهم؛ السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن هو: إن كانت التكنولوجيا قادرة على صنع أجهزة أو أنظمة لا يمكن اختراقها، بحيث يكون التشفير قويا جدا بحيث لا يتواجد أي مفتاح أو أي منفذ أبدا، فكيف نقوم بالقبض على أصحاب المواقع الإباحية التي تستغل الأطفال؟ وكيف نقضي على مؤامرة إرهابية؟ ما هي الآليات التي بحوزتنا؟ حتى حينما يتعلق الأمر بأمور بسيطة مثل تحصيل الضرائب، إذا لم يكن بوسع الحكومة اختراق ذلك، فسيتجول الجميع في كل مكان مع بطاقة الصراف السويسرية في الجيوب”.

ثم شرح رؤيته، بالقول “لا يمكنك أن تتحلى بنظرة استبدادية في هذا المجال، إن كانت حجتك هي التشفير القوي (وحماية الخصوصية) بغض النظر عن أي شيء آخر، إذن فعلينا أن نصنع صناديق سوداء، والتي أظنها لن تحقق التوازن الذي مارسناه منذ 200 إلى 300 سنة . إنه تقديس أعمى لهواتفنا يتجاوز أي قيم أخرى نتبناها. وهذا لن يكون يومًا جوابًا على شيء”.

إن الجواب الأمثل، كما يقول الرئيس الأمريكي، هو خلق نظام تشفير قوي قدر الإمكان، لكن مع بقائه قابلا للاختراق من قبل عدد قليل من الأشخاص الضامنين المحافظة على الأمن في البلاد. الأمر الذي نراه يسير القول ولكنه صعب حين يتعلق الامر بالأفعال، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الصدع بين الحكومة ومجتمع التكنولوجيا آخذ في الاتساع كلما امتلكت شركات التكنولوجيا تأثيرا أكبر.

تعاون كئيب

وهنا تجدر الإشارة، إلى ان الرئيس الامريكي لا يعرف إجابة لسؤال “كيف نحقق ذلك؟”، فهو ليس مهندس برمجيات كما قال في بداية المقابلة، هو فقط جاء للمؤتمر في محاولة للتواصل مع المخترعين ودعوتهم بأن يأخذوا بعين الاعتبار هذه القضايا، وهنا نستطيع القول بأنه لم يأتِ للتواصل فقط، بل جاء للتحذير من مغبة ما قد يحدث إن لم تردم الفجوة.

أوباما، قال “أثق أن هذا أمر يمكننا أن نصل فيه إلى حل، فنحن بحاجة للمجتمع التكنولوجي ولمهندسي البرمجيات ولأولئك الأشخاص المهتمين جدا بهذه القضية ليساعدونا في التوصل إلى حل”، ثم تابع “ماذا سيجري لو أن كل فرد منا انزوى في ركن أفكاره، بينما قال المجتمع التكنولوجي: سواء كان لدينا تشفير قوي ومثالي وغيره أو لا، سنظل في عالم غرائبي وفيه الكثير من السلوكيات المختلفة؟”.

وأضاف، “لكنك ستجد بعد أي حدث سيء أن السياسات المتعلقة (بالخصوصية) ستصبح غير ذات أهمية، وستمر للكونغرس بطرق لم يتخيلها أحد قط، وبعد ذلك ستجد أن هناك خطر فيما يتعلق بالحريات المدنية، لأن الأشخاص الذي يعرفون الأمر حق معرفته ويهتمون بالخصوصية جدا وبالحريات المدنية، لن يعودوا منخرطين أو سيأخذوا موقفا غير قوي لاهتمامهم بالصالح العام كما دوما”.

ربما لن يحدث الأمر على هذا النحو، لكن المشهد الحالي للتعاون ما بين قطاع التكنولوجيا الشخصية والحكومة يبدو كئيبا. يمكن لأوباما أن يتواصل مع أي كان وحول أي شيء، لكن الواقع الحقيقي للعلاقات بين وادي السيليكون والحكومة يتلخص بالنزاع القضائي بين آبل و الإف بي آي، و الذي يتوجه لزرع إسفين أضخم في العلاقات بين الحكومة والتكنولوجيا. إن الأمر سيتطلب أكثر من مجرد خطاب في مؤتمر لردم تلك الهوة.