رحّالة الصيف: كاتب وكاتب وكاتب
رحّالة الصيف: كاتب وكاتب وكاتبرحّالة الصيف: كاتب وكاتب وكاتب

رحّالة الصيف: كاتب وكاتب وكاتب

سمير عطا الله

ماذا لم يفعل مصطفى محمود من أجل أن يكتب. ترك الطب من أجل أن يكتب. وطلق مرتين لأنه «زوج سيئ لا يفكر إلا في الكتابة». وعندما ألح عليه أنور السادات في قبول منصب وزاري، قال له: «في اللحظة التي أترك فيها الكتابة إلى الوزارة، سوف أفشل. وسوف تفقدني كاتبًا وصديقًا. إذا كنت تقدِّرني حقًا، اتركني إلى قلمي».
كتب مصطفى محمود، في بساطة وسحر وعمق، في كل الأشياء. في الفلسفة وفي الفكر وفي الدين وفي السفر وفي الذكريات وفي الأدب وفي العلم. وأمضى حياته في رحلة طويلة هي رحلة «الشك والإيمان». بدأ مشككًا وتحوَّل إلى مؤمن يبشر كل يوم برفعة الإيمان وعمقه وسماحته. وأمضى حياته يعمل ويحوِّل كدّه وعمله إلى إحسان وبرّ. وبنى مسجدًا عاش قربه، وإلى المسجد أقام مؤسسة إسعاف ومساعدة ومكتبة عامة. عندما بدأنا يافعين في قراءة «صباح الخير» وأحمد بهاء الدين وكامل زهيري ولويس جريس ومصطفى محمود، كانوا جميعًا يكتبون بأسلوب جزل وثقافة واسعة ومشاعر حداثية. كانوا يكتبون من السياسة والمجتمع ومن خارج الإنسان. وهو كان يكتب من داخل النفس وأعماق الروح. كان يعيش في عالم يشبه شجرة عالية، أو برجًا على تقاطع الطرق والمسالك، ومنه يكتب لنا، بعناية وتمعُّن وجهد، ودائمًا بإيقاع ليس لسواه. ومن بين أهل الصحافة والفكر والأدب، خرج وحده إلى عالم خاص وصعب. عالم التأمل والبرِّ وتمضية الحياة مع بسطاء مصر الذين كانوا عائلته الصغرى والكبرى. وكانت أكثر سنواته بؤسًا هي السنة التي أوقفه فيها الرئيس جمال عبد الناصر عن الكتابة بقرار شخصي منه. وكان طبيب عبد الناصر الخاص صديقًا له. فذهب يتوسطه لدى الرئيس. غير أن الطبيب اعتذر، قائلاً إن عبد الناصر يجازي بالطرد كل من يطلب خدمة خاصة، وهو لا يريد أن يفقد موقعه. ثم إنه لو حصل مكروه للرئيس بعد حين، سوف يُقال إنه هو من دبَّره. واقترح عليه أن يسعى في الأمر لدى أقرب الصحافيين إلى عبد الناصر، محمد حسنين هيكل. فذهب إليه وعرض المسألة، فكان جواب هيكل: «طيب ما تكتب يا مصطفى».
حمل مصطفى محمود مرارة المنع حتى وفاته عن 84 عامًا. وكان يقول كيف يجوز للرئيس نفسه أن يُصدر قرارًا من هذا النوع؟ فالمنع حق قضائي لا فردي. وعاش خائفًا من دخول السجن مثل سواه. وازداد انغلاقًا على نفسه وأنسًا بكتبه ومؤانسة بكتاباته. لم أتعرف إلى مصطفى محمود، ولم ألتقه في تجمعات الصحافيين والكتّاب بسبب انطوائه. لكنه يوم غاب، حزنت كمن يحزن على رفيق، وليس فقط على صديق. منذ أن بدأت في قراءة هذا الساحر الفكري، لم أتوقف. توقف هو عن الكتابة، لكنني لم أتوقف عن القراءة. دائمًا أعود إلى أنهاره.
النص غدًا.
إلى اللقاء.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com