فتنة

فتنة

حلمي النمنم

تتيح «الرواية» كفن أدبي لمبدعها أن يبدي من الآراء والأفكار والتصورات ما لا يتاح فى مقال أو دراسة علمية ونقدية يكتبها، وهي- الرواية- بما تحمل من أدوات فنية يمكن أن تصل إلى القارئ والمتلقى أسرع وأيسر، وباتت الرواية مصدراً للتأريخ الاجتماعى والسياسى، بهذا المعنى قرأت رواية عدنان مكية «فتنة».

عدنان مكية باحث وكاتب عراقى، لمع اسمه أيام غزو الولايات المتحدة للعراق سنة 2003، وكان واحداً من ثلاثة ترددت أسماؤهم في الصحف العربية، ما بين الإشادة والإدانة، فالذين أشادوا اعتبروهم رسلا للديمقراطية، يقفون ضد صدام حسين، وحزب البعث، ويعملون على إسقاطه، أما الذين أدانوهم فقد اتهموهم بأنهم لعبوا دوراً كبيراً فى استدعاء الولايات المتحدة لاحتلال العراق وتمزيق هذا البلد الشقيق بالتدخلات الأجنبية الأمريكية وغيرها، وفتح الباب للطائفية والمذهبية المقيتة، الواقع أن هناك من رماهم بالخيانة.

الثلاثة هم غير عدنان، أحمد الجلبى وفؤاد عجمى، الجلبى راح يتفاخر بملايين الدولارات التى تلقاها من المخابرات المركزية الأمريكية لتسليح المعارضة، وأنه تحرك بقواته من داخل إيران إلى حدود العراق، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة غاراتها على بغداد، أما عجمى فكتب وقتها أن أصوات أزيز الطائرات الحربية الأمريكية في سماء بغداد أشبه بسيمفونية عذبة يستمتع بها.

طوال الوقت كان التساؤل: ما هو موقف أولئك الذين لم يجدوا غضاضة في أن يكون مقابل إسقاط صدام حسين الاحتلال الأمريكى؟.. وما هي مشاعرهم وهم يرون أن العراق بعد صدام لم ينعم بالحرية ولا الديمقراطية، كما بشرت كونداليزا رايس ودونالد رامسفيلد؟.

الإجابات أو شرح ما جرى بالضبط يقدمه مكية في روايته البديعة والمؤلمة، حيث تبدأ بمشهد إعدام صدام حسين، والذي استطاع صدام من خلاله أن يعيد رسم صورته الذهنية أمام الملايين فى العالم العربي كبطل وتمكن من الانتصار والتفوق على من حاكموه وأعدموه، يمكن أن نفتح قوساً هنا، لنضيف أن صدام حسين حين سقط فى 2003 لم يجد تعاطفاً فى الشارع المصري معه، بل كان هناك قدر من الشماتة به، لأنه لم يستمع إلى صوت النصح العربي له، ولأنه لم يجنب بلاده وشعبه تلك اللحظة، لكن حين نشرت لقطات إعدامه فجر يوم عيد الأضحى المبارك سنة 2006، وما نشر عن اعتداء الطائفيين على جثمانه ميتاً والرقص حوله، تحول في نظر كثيرين داخل مصر إلى شهيد، وعلقت صوره إلى جوار عبدالناصر والسادات في كثير من المقاهى وسيارات الميكروباص.

من مشهد الإعدام يعود المؤلف ليرسم لوحة لما جرى في العراق منذ الغزو الأمريكى فى شتاء 2003، ومن خلال الرواية سوف نكتشف أن الأمر داخل العراق كان معقداً جداً، الشيعة لم يكونوا كتلة صماء، بل هناك صراع داخلي بين البيوت الشيعية، حيث راهن البعض منهم على إيران، وكان هناك من يراهن على «العراق»، كذلك لم يكن السنة فصيلاً واحداً، وكان هناك من راهن على الأمريكيين، وكان هناك من يسعى للحفاظ على «العراق» الموحد والذي يجب أن يكون مستقلاً.

الرواية تقول إن من جاءوا بعد صدام لم يكونوا أفضل منه، كانوا طغاة مثله، وربما أشد طغياناً، الرواية مليئة بالتفاصيل الكثيرة إنسانياً وسياسياً، وهي لا تبرئ أي طرف من الأطراف فيما جرى فى العراق.

ينهي مكية روايته باعتذار، يحتاج أن نتأمله جيداً، يقول: «أعتذر أولاً من الشعب العراقى، وثانياً من الطائفة الشيعية، لأنني لعبت دوراً قبل 2003 لإضفاء الشرعية الدولية والعالمية على أولئك الذين كنا نسميهم طيلة التسعينيات المعارضة العراقية»، ثم يقول: «هؤلاء لا يستحقون وصفهم بمعارضين لنظام البعث، ولا يستحقون أن يحكموا أحدا، التاريخ سيسجل أنه ليست هناك تجربة سياسية فاشلة بحجم فشلهم، خاصة المتشيعين منهم، فشل ستضرب به الأمثال لأجيال، فشل لا مثيل له فى القرن العشرين، ولا هذا الذى نعيش مآسيه الآن، ولا حتى في أي بقعة من القارات الآسيوية والأفريقية والجنوب أمريكية، ويقول: «أعتذر عن دعمى السياسى والمعنوي الذى لم يعن شيئاً في حينه للعراقيين داخل العراق، لكنه كان يعني الكثير لأخذى القرار فى الخارج».

هذا ليس نقداً ذاتياً فقط، ولكن عملية تطهر وإبراء ذمة.

المصري اليوم