حين تختلط الأجندات ويسود اللون الرمادي

حين تختلط الأجندات ويسود اللون الرمادي
المصدر: عريب الرنتاوي

في لبنان، كرّس قادة 14 آذار والناطقون باسمهم، جل اهتمامهم لـ “تبرير” الهجمات الإرهابية التي طالت الضاحية الجنوبية لبيروت، والاعتداءات الصاروخية التي طاولت “البيئة الحاضنة” لحزب الله في البقاع … حجتهم في ذلك، أن “تدخل حزب الله في الحرب إلى جانب النظام السوري ضد المعارضة” هو الذي استجر عليه وعلى بيئته ولبنان، مثل هذه الهجمات، مع أن أعداد اللبنانيين الذين قتلوا في سوريا، من المتحدرين من “البيئة الحاضنة” لتحالف 14 آذار، يفوق بثلاثة أضعاف، أعداد من قتلوا من حزب الله في لبنان، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

بالنسبة لهؤلاء، أي اعتداء يطال رموزهم ومناطقهم، جريمة لا تغتفر، تستوجب استدعاء مجلس الأمن والمحكمة الدولية، وتملي تغييراً قسرياً في تركيبة الحكومة والنظام وتوازنات القوى على الأرض اللبنانية … أما الهجمات على “الآخر”، فهي “قصاص” عادل لجرائمه في سوريا، تدخل في باب “تحصيل الحاصل”، وتملي على الحزب تسليم سلاحه والقبول بحكومة تستثنيه، فضلاً عن سحب قواته من لبنان، وهذه هي بالضبط مطالب منفذي الهجمات الإرهابية ومشغليهم.

مثل هذا “التماهي” مع أجندة القاعدة، و”التوظيف” لعملياتها الإرهابية، لا يرتد بأي خير على فاعليه والمروّجين له، بدلالة أن هذه الهجمات بدأت تستدر عطفاً دولياً مع “الضحايا” بما يمثلون ومن يمثلون … ولعلها المرة الأولى، التي تصدر عن واشنطن ونيويورك، إدانات متزامنة للفعل الإرهابي الذي ضرب الضاحية، وهذه رسالة تبحث عمّن يقرأها جيداً في تحالف 14 آذار، وقبل فوات الأوان.

الشيء ذاته، يحصل الآن في العراق، حيث تتماهى أهداف “داعش” والقاعدة مع أهداف بعض القوى المحركة لثورة الغضب في الأنبار، من دون حرص شديد على تمييز الأجندات وتظهير تمايزها … ولهذا استطاع نوري المالكي أن يجد ما يغذي به ادعاءه بأنه يحارب القاعدة في المحافظات السنيّة، مع أن المالكي يعبر عن أضيق المصالح الشخصية (ولاية ثالثة) والفئوية – المذهبية … والشاهد على ما نقول، أن “داعش” نجحت في غضون ساعات قلائل في السيطرة على الفلوجة والرمادي ما أن أدار الجيش العراقي ظهره لهما، وهذه السيطرة السريعة على المدينتين ما كانت ممكنة لولا اندماج هذه القوى المتطرفة في بنية وبيئة الحراك السياسي السني، الذي تكشّف قادة له، عن تماثل غريب مع منطق القاعدة وتفكيرها.

ترتب على ذلك، أن المالكي الذي حظي بضوء أخضر إيراني لولايته الثالثة، نجح في الوقت ذاته، في الحصول على دعم أمريكي مادي وسياسي في حربه ضد الإرهاب، فواشنطن لم تتوقف عن تأييد وتغطية عمليات الجيش العراقي في الأنبار، وهي سبق وأن زودته بالأسلحة التي يحتاجها لخوض غمار هذه الحرب والانتصار فيها … ومرة ثانية، يخسر “المكوّن السنّي” جولة من المعارك، بسبب انعدام هذا التمايز عن القاعدة وأخواتها.

وفي سوريا، حصل شيء مماثل، لكنه أكثر كارثية بكل المعايير … من إنكار وجود القاعدة و”السلفية الجهادية” في صفوف الثورة السورية، إلى انبراء المجلس الوطني والائتلاف، للدفاع عن جبهة النصرة عندما أدرجتها واشنطن في قائمتها السوداء للمنظمات الإرهابية، حتى انتهي الأمر بالثورة السورية إلى الاختطاف الكامل من قبل “داعش” و”النصرة” …. لننتقل بعد ذلك إلى إحلال “الجبهة الإسلامية” كبديل معتدل لكلا التنظيمين القاعديين، مع أنها لا تختلف عنهما في شيء على مستوى الخطاب والممارسة، وإن اختلفت من حيث التحالفات ومصادر التمويل والرعاية الدولية والارتباطات الخارجية … أما النتيجة التي ترتبت على “حالة الإنكار” ابتداء، ومن ثم “التماهي” بحجة التفرغ لمقاتلة العدو الأكثر خطراً: النظام، فهي تآكل مساحة نفوذ أصحاب هذه النظريات، وتحوّلهم إلى أهداف مستباحة من قبل القاعدة، وإهدار دمائهم بالجملة والمفرق، فضلاً عن انفضاض المجتمع الدولي عن قوى الثورة السورية، وتغير أولوياته وحساباته وتحالفاته.

في مصر، وبدرجة أقل، يدفع الإخوان المسلمون بدرجة أو بأخرى، ثمن “المساحة الرمادية” في خطابهم حيال المنظمات الإرهابية … بل وسعيهم لتوظيف أعمالها الإجرامية ضد الجيش المصري لخدمة أهدافهم السياسية الآنية … أما النتيجة فقد كانت فقدانهم لحكمهم من جهة، وتملك النظام لمبررات إعلانهم جماعة إرهابية من جهة ثانية.

في كل مرة تماهت فيها المواقف والأجندات، في كل مرة سادت فيها “حالة الإنكار والاستخفاف” بالخطر الجهادي، في كل مرة فكر فيها فريق بعينه “توظيف” هذه الجماعات بصورة مباشرة أوغير مباشرة، كانت النتيجة وبالاً صافياً على هذا الفريق قبل غيره، وخذوا العبرة من التجربة الشيشانية في أوساط تسعينيات القرن الفائت عندما دخلت “السلفية الجهادية” على خط الحركة الاستقلالية الشيشانية، فوفرت لموسكو ما تحتاجه من ذرائع وحجج لحسم المعركة بالقوة المفرطة.

هي إذن، دعوة لتبديد هذه “المساحة الرمادية”، وفرز المواقف والمواقع، بل والشروع في التصدي الفكري والثقافي والديني والسياسي مع التطرف والإرهاب، ومن دون ذلك، سنظل في دوامة الجدل الذي لا طائل منه، من دون ذلك، سنبقى نسلك الطريق ذاته، ونتوقع الوصول إلى نهايات مختلفة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث