اليمن.. الثلث المعطّل في الشرعية أحرج التحالف

اليمن.. الثلث المعطّل في الشرعية أحرج التحالف
المصدر: اللواء/ قاسم عبدالرب العفيف

دائمًا ما نسمع في خطب وتصريحات الأخ رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي  أن النموذج الإيراني غير صالح في اليمن، وهو لا يقصد فقط ولاية الفقيه، ولكنه أيضا لا يريد أن يتكرر نموذج حزب الله  في اليمن، ولا أن يلعب الحوثيون دور الثلث المعطِّل لإدارة الدولة في اليمن.. لكن لو تأمل هادي في الواقع  لوجد أن هناك ثلثًا معطلاً في جلباب الشرعية، أثبت بالملموس أنه معطِّل لعملية حسم المعركة والتي طال أمدها ضد الانقلابيين الحوثيين والمخلوع صالح، ولكن كيف ذلك؟.

 لنقرأ معا الخريطة السياسية في اليمن والخلفيات التاريخية.. وإذا رجعنا قليلاً إلى الوراء سنجد أن حزب الإصلاح وُلد من رحم المؤتمر الشعبي العام في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وأخذ معه شرائح قبلية  ودينية وعسكرية، وهو في الواقع الوجه الآخر للمؤتمر الشعبي العام وفي انتخابات 1993 تقاسما الدوائر الانتخابية  الشمالية، ثلثين بثلث، وتم تثبيت ذلك في كل الانتخابات التي أجريت بعد ذلك، أما بقية مرافق الدولة المختلفة المدنية والعسكرية، فقد حصل على نصيب الأسد أثناء تقاسم السلطة بعد حرب 94 م واستمر ذلك ولم يكن هناك أي تغيير يذكر، أما في جانب الحشد الجماهيري  فقد كنّا لا نرى فرقًا كبيرًا بين حشود المؤتمر الشعبي العام والإصلاح، وهنا نستنتج أن الفارق بين قاعدة المؤتمر الشعبي العام والإصلاح في المحافظات الشمالية لم يكن كبيرًا والدليل ما حدث في ثورة التغيير بين حشد شارع الستين وشارع السبعين بل كان الإصلاح متفوقًا في ذلك.

أما وقد انسلخت من المؤتمر أعداد كبيرة من القيادات العسكرية والمدنية بعد الانقلاب على السلطة تأييدًا للشرعية والرئيس عبد ربه منصور هادي وبالمناسبة معظمهم  من المحافظات الشمالية، بمعنى لو جمعنا حشد الإصلاح مع مناصري من انسلخوا من المؤتمر الشعبي العام وأضفنا لهم مناصري الأحزاب الأخرى من ناصريين واشتراكيين وغيرهم وقوى مستقلة أخرى والذين يسمّون بالقوى الصامتة سيشكلون قوة مقاومة جماهيرية وعسكرية هائلة، تتفوق على كل ما تبقى للمؤتمر الشعبي التابع للمخلوع  علي عبدالله صالح وحلفائه الحوثيين وبقية الأحزاب الأخرى، هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك الدعم الهائل من التحالف الدولي سواء أكان عسكريًا أم لوجستيًا أو غير ذلك، والسؤال:  لماذا لم  يتم  الحسم العسكري وكل هذه المعطيات متوافرة في الميدان؟

بناءً على الوقائع المثبتة أعلاه نقول لكم يا فخامة الرئيس إن الثلث المعطِّل ليس فقط نسخة حزب الله في اليمن، في الجانب الآخر ولكن فتش عنه حولك ستجده أقرب إليك.

وهنا لابد من طرح الأسئلة التالية: من الذي يلعب الدور الفعلي للتعطيل ؟، كيف يمكن أن تظل الحرب تراوح مكانها دون تقدّم يذكر لفترة طويلة ؟، أين اختفت تلك الحشود التي كنا نراها في الميادين ؟، هل ينقصها السلاح أو الدعم الجوي والبحري والأرضي أو الدعم اللوجستي الهائل الذي تقدمه دول التحالف العربي؟.

هنا لابد من قراءة المشهد السياسي والعسكري في هذه الفترة الحاسمة لليمن، الذي يعيش وضع الحرب وهو يقترب من إكمال عامين، ووضع الاستنتاجات الجادة للخروج من المأزق الراهن.

لابد من الاعتراف أن هناك خللاً بين ما يتم الإعلان عنه نظريًا عبر وسائل الاعلام وبين ما يحدث على أرض الواقع ولا يوجد تناسب ولا حتى في الخيال، أي هناك خلل فاضح بين التخطيط والتنفيذ، أدى إلى إطالة الحرب وهذا يعني المزيد من المعاناة والاستنزاف للإمكانيات وتعطيل حياة الملايين وتقويض الأمن والاستقرار، وهذا الأمر سيدفع العالم للضغط لكي يتم توقيف الحرب بأي ثمن وعلى حساب المصالح الوطنية اليمنية، وستظل نار الصراع مشتعلة إلى حين، ولن يتم القضاء على منابع إشعال الحرائق.

الثلث المعطِّل لم يعرقل الحسم العسكري فحسب، بل تعدى ذلك إلى تعطيل كل أوجه الحياة في المناطق المحررة، بحكم تمكنه من إدارة مفاصل الحكومة الشرعية، والذي جرى ويجري في عدن والمحافظات المجاورة من تعطيل تقديم الخدمات من كهرباء وماء وتوفير المشتقات النفطية وتعطيل صرف المرتبات وتعطيل إدماج شباب المقاومة في الأطر والمؤسسات الأمنية والعسكرية والكثير الكثير من متطلبات الحياة، خير شاهد.

ومن أهم عوامل التعطيل إصرار الشرعية على إدارة الأمور بعقلية نظام صنعاء الفاسد، من خلال تمكين الكادر الفاسد من إدارة مهام المرحلة الجديدة، حيث لعبت المحاصصة الحزبية والمناطقية دورًا كبيرًا في تعطيل تنفيذ الكثير من المهام، وفِي نفس الوقت إغفال وحجب الكادر الحامل للتأهيل العالي والخالي من الفساد من  القوى الجديدة والتي حرمت لسنوات طويلة من الحصول على حصتها في المشاركة بحجة عدم انتمائها الحزبي.

كما أن هذا الثلث المعطل يمارس من خلال تأثيره الكبير ضغوطًا على عدم اتخاذ اجراءات حاسمة في تسيير الحياة في كل المحافظات المحررة وجعلها تعيش أوضاعًا مزرية، من تدني الخدمات الضرورية للمواطنين وتعطيل الحياة الطبيعية وفقًا لحسابات سياسية ضيقة الأفق، تريد أن تبقي الأوضاع في وضع مزرٍ حتى يظهر لها الخيط الأبيض من الأسود لعملية التسوية النهائية بعد انتهاء الحرب.

ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل تم وضع العراقيل الهائلة أمام معالجة الجرحى في الخارج، خاصة في بعض البلدان كالأردن والسودان والهند؛ للتأثير على الروح المعنوية للمقاومين وأسرهم.

دور الثلث المعطِّل في عرقلة تطبيع الحياة في المناطق المحررة ظهرت بصماته الواضحة للعيان من خلال أدواته على الأرض وتناغمها مع أدواته وتأثيره في إطار حكومة الشرعية وهذه السياسة تتقاطع مع سياسة الانقلابيين وبالذات حول الجنوب، متناسين أن الغزو الثاني للجنوب والدمار والضحايا التي أزهقت أرواحها قد غيّرت مجرى التاريخ والجغرافيا ولن تعود حليمة لممارسة عادتها القديمة، في الاستحواذ والسيطرة على السلطة في اليمن تحت أية ذريعة كانت.

ودور الثلث المعطِّل في الشرعية سبب إحراجًا لدول التحالف التي هبت لنجدة الشرعية وذهب الدعم الكبير المقدم أدراج الرياح وتاه في صحراء الفساد الواسع، دون أن يحقق تقدمًا في جبهات القتال في المحافظات الشمالية.

ودور الثلث المعطِّل حرم اليمن من الدعم العسكري لإعادة الشرعية وتركها ضعيفة أمام أية حلول سياسية في المستقبل، ومكن الانقلابيين من التمسك بالأرض وفرض الأمر الواقع وأرغم العالم للاعتراف بذلك والتحاور معهم على المخارج السياسية والتي -بلا شك- سيكون سقفها متدنيًا بالنسبة للشرعية.

إطالة الحرب ستؤدي إلى تدخل دولي لوضع حد لها، وبالتالي لن تجد الشرعية ما تفاوض عليه غير الجنوب المحرر، والذي يحاول الثلث المعطِّل سرقة النصر فيه من أصحابه الجنوبيين، وتسويقه من أجل تنفيذ مخرجات الحوار والمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن التي لم يكن الجنوب طرفًا فيه.

ويحاول الثلث المعطِّل دفع الرئيس هادي للاصطدام بالقوى الجنوبية، من خلال افتعال معارك جانبية تقوم بها أدواته الجنوبية مع المقاومين الجنوبيين، وبعد ذلك يكون قد ضرب عدة عصافير بحجر واحد منها نقل الصراع إلى جنوبي- جنوبي، وإن نجح سيُنهي الفصل الأخير للقضية الجنوبية، وبالتالي ستُدفن القضية الجنوبية بأيادي أبنائها الجنوبيين.

وبسبب الثلث المعطِّل ستكون المفاوضات القادمة أكثر تعقيدًا، كونه فرض أجنداته في تعطيل الحسم العسكري على الأرض في الجانب الشمالي، وبالتالي عدم السماح لقوى جديدة بالظهور على الساحة الشمالية، ولكي يتمكن -عبر الشرعية- من عدم المزاحمة في تمثيل الشّمال فيها، وإضافة إلى ذلك يكون وفّر للانقلابيين حضورًا فاعلاً في المفاوضات وفي نفس الوقت ترك الجنوب في صراع جنوبي- جنوبي وأبعد شبح أي حضور جنوبي فاعل في أية مفاوضات قادمة.

إن انتصارات الساحل الغربي شكلت ضغطًا هائلاً على ذلك الثلث المعطل ولم يستطع الانتظار حتى حاول افتعال مناوشات في الساحة الجنوبية كادت أن تؤدي إلى عواقب وخيمة، لهذا يتطلب الأمر المزيد من اليقظة بعدم جر الجنوبيين إلى معارك جانبية تقوض نجاحاتهم الكبيرة التي تحققت بتضحياتهم وصمودهم الأسطوري.

ومن الواضح أن خريطة القوى السياسية في اليمن قد تبعثرت كثيرًا وأصيبت بالشلل التام وهذا ما يتضح جليًا في عدم القدرة على صياغة رؤية سياسية تعبر عن مصالح المجتمع اليمني، وتعثر المشروع السياسي ينم عن تضارب الرؤى وتصادمها فيما بينها والآن يتطلب الوضع من الجميع الاعتراف بالواقع كما هو لا كما يريد أن يتخيّله البعض في أحلامه، ويجب الاعتراف بأن المشروع السياسي اليمني منذ العام 1962 قد فشل وفشلت معه كل القوى الحاملة له، وكانت النتيجة أن أُغرقت اليمن في حروب مستدامة، بل رُهنت اليمن لصراعات اقليمية ودولية كان في غنى عنها.

كل الأمل في أن تتم صياغة المشروع اليمني كما يتطلبه الواقع، والأخذ بعين الاعتبار مصالح الكتل البشرية فيه ورؤيتها في تحقيق مصيرها دون فرض أو إكراه، ولتكن هذه الحرب آخر الحروب اليمني، وأن تتحرر القوى السياسية اليمنية من أوهام الماضي ومشاريعها السياسية القومية والدينية واليسارية والعصبوية القبلية والطائفية التي أثبتت التجربة فشلها جميعًا، فشعب اليمن يستحق الحياه بكرامة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث