تناقضات الحياة.. ما أظرفها!

تناقضات الحياة.. ما أظرفها!
خالد القشطيني

ما من شيء يضحك ويبكي في الحياة أكثر من تناقضاتها. وما من ميدان تظهر فيه بأحلى صورها كما في الكوميديا. كنا نستأنس في طفولتنا بأفلام لوريل وهاردي، وكنا نسميها بالسمين والضعيف. وعلى هذا الغرار جاءت في الصحف المصرية سلسلة كاريكاتيرات السبع أفندي وزوجته رفيعة هانم، الزوج النحيف الصغير الذي لا يملك من معالم القوة غير شواربه الطويلة وأمامه الست رفيعة هانم، السمينة الضخمة التي تتلاشى أمامها رجولة زوجها. ونلمس التناقض حتى في اسميهما. الزوج العاجز سبع أفندي والزوجة السمينة البدينة رفيعة هانم.

وفي التلفزيون البريطاني استمتعنا بمثل هذا التناقض في شخصيتي موركم وزميله وايز. بيد أنني لمست هذا النوع من الدعابة بصورة خاصة في السلسلة الإذاعية التي كانت تبثها الـ«بي بي سي» كل أسبوع بعنوان «نصف ساعة مع هانكوك». وكانت سلسلة تمثل هذا التناقض والتباين بين من يقضي حياته في الكتب والثقافة ويجهل كل الأمور العملية في الحياة فيعتمد على زميله العمالي الشعبي سيدني جيمس في إنقاذه من مطبات الحياة.

يظهر هذا التناقض في لغتهما، فتوني هانكوك يتكلم بلهجة خريجي أكسفورد، اللهجة الأرستقراطية الأنيقة وسيدني جيمس يتكلم بلهجة الكوكني الشعبية. وفي هذا التفاعل والتناقض يفوز دائما سيدني جيمس العمالي ويترك الرجل المثقف تائها في برجه العاجي. ودائما يستغل سذاجته في الأمور العملية فينصب عليه.

نجد ذلك في حلقة من برنامجهما حين يذهب هانكوك ليشتري شيئا من دكان سيدني جيمس. يدفع له ورقة بـ5 باوندات ويعيد إليه جيمس الباقي ببضعة بنسات قليلة. ما هذا؟ يقول له هانكوك. هذه 9 بنسات فقط؟ فيرد عليه جيمس مستكبرا: «9 بنسات تقول» انظر إليها جيدا. انظر إلى تاريخ سكها وإصدارها؟ خذ! انظر لهذا البنس! إنه يحمل تاريخ 1938. كم ارتفعت الأسعار من ذلك التاريخ حتى اليوم؟ 50 مرة؟ مائة مرة؟ أنا حسبته لك بـ50 بنسا فقط لأنك صديقي وزبون قديم. انظر للبنس الآخر. إنه يحمل صورة الملك جورج الخامس. هذا البنس يجب أن يساوي ما لا يقل عن 200 بنس بأسعار اليوم. أنا حسبته لك بـ150 فقط! وخذ هذا البنس الآخر وعاينه جيدا! إنه يحمل الرقم 1941. كم ارتفعت الأسعار منذ أيام الحرب؟

ويمضي سيدني جيمس في حساباته الفهلوية، فإذا به يكشف لصاحبه هانكوك أنه أعطاه أكثر مما يستحق! فيهز المثقف الفيلسوف رأسه مقتنعا سعيدا: آه! يا عزيزي سيدني. لا أدري كيف أستطيع العيش من دونك!

ويلتقط هانكوك هذه البنسات ويمضي في طريقه ليبتاع شيئا آخر من دكان مقابل. يحاسب البائعة على أساس ما تعلمه من صاحبه جيمس، فيضحك عليه الحاضرون.

هذا جوهر الفكاهة كما حددها أرسطو. إنه الإفراط في صفة – وهي هنا الثقافة – إلى حد يجعلها شاذة لا تثير في أنفسنا غير الضحك والشفقة على صاحبها. ولكن في هذا التناقض المضحك ربضت أيضا المأساة. فهذا الممثل الذي أضحكنا كان يعاني كل ما يبكيه من مأساة دفعته في الأخير للانتحار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث