المؤرخون والاعتبار

المؤرخون والاعتبار
المصدر: سمير عطا الله

طبعا سمعت بالإمبراطور نيرون، أو قرأت عنه، لأن أحدا لم يقرأ عن مزيج الشر والجنون إلاّ ومرّ به، نموذجا أو مثالا. كل ما يأتينا من التاريخ يصلنا عن أقلام المؤرخين ورؤيتهم وفطرتهم. قد يخطئون فنخدع. وقد ينحازون فتصلنا الحقائق مجتزأة. وقد يجمعون، فحسنا يفعلون.

لقد أجمعوا على نيرون، أو هكذا اعتقدنا. الآن هناك مسعى بين مؤرخي إيطاليا «لإعادة الاعتبار» إلى تلك الشخصية المريضة. لا نفي لما ارتكب، ولكن لا بد أن نعرف، مثلا، أنه قبل أن يرتكب ما ارتكب، كان رجلا طبيعيا يحلم ببناء المدن والمسارح. تلك هي المرحلة الأولى. أما في المرحلة الثانية، فالثابت أنه أمر بقتل زوجته الأولى، أوكتافيا. وظل يرفس زوجته الحامل بوبايا حتى الموت. وأمر بقتل أمه أغريبنيا بعد زنى فاحش. وأقدم على قتل أخيه بالتبني بريتانيكوس. ثم – إليك هذه – أمر أستاذه وكبير فلاسفة روما، سينيكا، أن ينتحر، ففعل. وبعدها أمر بخصي يافع وتزوج به. وكانت الخاتمة إحراق روما ثم التفرج على الحريق وهو يعزف على الكمنجة. بعض المؤرخين ينفي ذلك ويقول، بل إنه كان يعزف على القيثارة.

المؤرخون التصحيحيّون لا ينفون كل ما حدث. لكنهم إنما يريدون القول إن بعض الأباطرة الآخرين لم يكونوا أفضل منه. خذ قسطنطين، أول إمبراطور مسيحي، فإنه قتل ابنه البكر وزوجته الأولى وحماه. وخذ أغسطس الذي ملأ روما بدماء أهل الطبقة الوسطى. لكن أغسطس كان خبير بروباغندا وعرف كيف يبني لنفسه صورة الإمبراطور العظيم.

صحيح أن نيرون أحرق روما، لكنه أعاد بناءها بصورة أفضل. ثم إن شوارعها كانت ضيقة وبيوت الخشب كثيرة وزيوت التدفئة والطبخ وافرة، مما ساعد في انتشار الحريق. يا أيها السادة المؤرخون، لماذا لا ترحمون عقولنا؟

يخامرني شك بأن المس لم يكن في الإمبراطور وحده. لقد ظلت الناس تزور ضريحه حتى القرن الحادي عشر عندما تقرر بناء كنيسة في المكان «لإزالة شبحه» الذي لا يكف عن الظهور. سميت الساحة «بيازا ديل بوبولو»، ساحة الشعب، حيث سوف تصغي روما إلى خطب موسوليني، الديكتاتور المعاصر. الإمبراطورية الرومانية حكاية من الأمجاد والظلم والفسق والفجور. لكنها أيضا حكاية القوانين والفنون والتطور. وكانت مدرسة الحقوق الرومانية الكبرى في بيروت، ومكانها في ساحة البرج، وسط البلد. وظلت آثارها قائمة إلى أن أصدر وزير الثقافة السابق قرارا بإقامة بناء تجاري فوقها. كيف لنا أن نشكر معاليك على حسك التاريخي وهمك الثقافي؟!

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث