خريطة على جدار

خريطة على جدار
المصدر: سمير عطا الله

قال الكاتب البريطاني جون لوكاريه في كتاب «برقيات» للمراسل الأميركي مايكل هار: «إنه أفضل كتاب قرأته في عمري عن الرجال والحرب في زماننا». ليس من الضروري أن تقرأ «برقيات» حتى كتحفة أدبية لأن تلك الرسائل عن حرب الفيتنام لم تعد شيئا بالمقارنة مع ما نشهده في حروبنا، خصوصا في أخلاقيات القتال ومواثيق الجهات.

يقدم هار لـ«البرقيات» التي بعث بها عام 1967 من سايغون بصفحة ونصف، هي في الحقيقة كل ما يعنينا هنا. يقول إنه كان يسكن في شقة عاش فيها قبله رجل من أيام الاستعمار الفرنسي، وقد ترك على جدار غرفة النوم خريطة لفيتنام أيام الفرنسيين. بدت آثار العتق على الخريطة وتكسَّرت أطرافها. لكن الأطراف في الخريطة لم تعد مهمّة. لم تعد شيئا. المهم هو تلك الأسماء التي اختفت في قلب الخريطة، في الرسم وعلى الجدار وعلى الأرض. زال عالم وحلّ مكانه عالم آخر.

هذا ما يحدثوننا به اليوم عن الخرائط العتيقة على الجدران وكيف ترسم الخرائط الجديدة نفسها على الأرض في حروب ملؤها الموت والخيانات وأموال النهب والسبي. كنا نكتب عن خرائط سايكس – بيكو وكأننا نتحدث عن ديار في أفريقيا، والآن نتحدث عن تغييرها وكأننا نعني بذلك دولا في أطراف الصين. وفي الحالتين، نحمِّل المسؤولية سوانا، فلا علاقة لنا بالأمر ولا مسؤولياته، كأنما لسنا نحن من صنع الهزائم واحتفل بانتصاراتها، ولسنا نحن من حول برامج التعليم إلى أناشيد حماسيّة، ولسنا نحن من نحر المستقبل باسم الماضي وحوَّل الإرث إلى مجرد ثأر متنقل في الأزمنة والأمكنة!

لم نتعلم من حروبنا، فكيف يمكن أن نتعلم من حروب سوانا؟ ما زالوا يزينون لنا مواكب الموت وتظاهرات الأكفان على أنها قاعدة للعيش والحياة. ليست «داعش» سوى مجرد احتفال علني وجهت إليه الدعوات الرسمية التي قبلناها دون أن نقرأ جيدا مناسبة الاحتفال والاحتفاء.

اعتبر «برقيات» أحد الأعمال الكلاسيكية في الأدب الحديث؛ لأن مؤلفه لم ينافق للقتل والجريمة الرسمية. ولأنه صوَّر هزائم الأميركيين النفسية وحالات الجنون التي ضربتهم وهم يحرقون الغابات بالكيماويات؛ لأنه صور لنا كم هو مهزوم القاتل المنتصر، ولأنه كتب أن الذي يحمل جثة قتيله، ترافقه على ظهره مدى الحياة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث