الظمأ الرحيم والجوع الكريم !

الظمأ الرحيم والجوع الكريم !
المصدر: خيري منصور

الذين قالوا تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها كان عليهم أن يضيفوا يموت العاقل من الظمأ ولا يشرب من نهر الجنون، وهذا النهر العجيب الذي نبع من خيال توفيق الحكيم وما يزال يبحث عن مصب شرب منه ملايين الناس، كي يتأقلموا مع أوضاع شاذة، ويعترفوا بأن الأرض مستطيلة ولا تدور وأن الشمس تشرق من الغرب وأن الفاعل منصوب والمبتدأ مجرور.. إلى آخر هذه المتتالية من مضادات العقل.

نهر توفيق الحكيم لا يختلف كثيراً عن حماره وعن عصاه، لهذا كان الوحيد من أبناء جيله الذي أجاب عن سؤال صحفي حول مؤلفاته العديدة، حين قال أنها مجرد صرخات بلا أصداء.. ولم تحدث أي تأثير في العالم من حوله، ولو كان الحكيم قد قرأ ما كتبه آرثر ميلر لقال بأن ما صنعه كان فاصولياء لكن من حجارة.

لقد كان قدر الوعي منذ بواكيره في التاريخ الاغتراب، وهذا ما قاله أيضاً رسل تجرعوا مرارة الغربة حيث لا كرامة لنبي في وطنه، أو طوبى للغرباء!

ما من زمن اتسعت وتعمقت الفجوة فيه بين العاقل والغافل كما يحدث الآن، حيث تسخر أرقى منجزات التكنولوجيا لتكريس التخلف، وتطوير ثقافة النميمة والتحريض والاستعداء!

وما بدأ على استحياء انتهى إلى جسارة تتقدم نحو الوقاحة، إذ أصبح على العارف أن يعتذر عما يعرف وللصادق أن يعتذر عما اقترف من الصدق أمام شهود الزور فالعربات الآن هي التي تقود الخيول وتحققت النبوءة عن الأعمى الذي أصبح ساعاتياً والمقعد الذي يفوز في سباق المسافات الطويلة.

وبالرغم من ذلك، ثمة من يصرون على احتمال الظمأ حتى لو تشققت شفاههم كي لا يشربوا من نهر الجنون ولو قطرة واحدة، ومنهم ذلك الفرنسي العجوز المسيو هنري الذي حمل يافطة وسار في مظاهرة خلال أحداث مايو 1968، وحين انفضت المظاهرة وعاد الناس إلى بيوتهم بقي جالساً على الرصيف، وحين سأله شرطي ساخراً عما إذا كان يريد تغيير العالم بهذه اليافطة.. أجاب. معاذ الله يا ولدي، فأنا لا أستطيع تغيير مسار ذبابة في هذا الفضاء، لكن لا أنت ولا فرنسا ولا الجنرال ديغول تستيطعون تغييري، فالمعركة الآن ليست في أن نغير بل في أن لا نتغير!

بالطبع مات المسيو هنري ومعظم أبناء جيله، وتغير العالم وتغيرت أيضاً فرنسا لكن إلى غير ما حلموا به..

إن معركة الإنسان الأخيرة هي مع الجوع والظمأ، فالحرة تموت ولا تأكل بثدييها، والحر يموت من العطش ولا يشرب من نهر الجنون لأن الظمأ أرحم!

(الدستور)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث