كوباني

كوباني
المصدر: إبراهيم حاج عبدي

تحولت مدينة كوباني المنسية في الشمال السوري المتاخم للحدود التركية، مدينة عالمية، في غضون أيام قليلة، فهي الآن تتصدر نشرات الأخبار وعناوين الصحف، وتغزو مواقع التواصل الاجتماعي، وتحظى باهتمام في تصريحات المسؤولين من واشنطن إلى باريس ولندن وموسكو. ومن المرجح أن اسم هذه المدينة لم يذكر مطلقاً من قبل، غير أن المحنة التي تعرضت لها منحتها شهرة واسعة، بيد أن كلفة الشهرة كانت باهظة جداً.

نحن لا نتحدث هنا عن «ماكوندو» القرية الخيالية التي خلدها ماركيز في روايته «مئة عام من العزلة»، ليصبح هذا الاسم عنواناً لعشاق الواقعية السحرية في العالم، بل نتحدث عن مدينة صغيرة، شاءت الأقدار لها أن تشتهر، لا بمفارقات أسلافها وأساطيرها التي آمنت بها «أورسولا» بطلة رواية ماركيز، بل نتحدث عن قصص واقعية تقترب من «الأساطير»، إذ تحفل الفضائيات بتقارير عن شجاعة المقاتلات الكرديات اللواتي يستبسلن في مواجهة «وحوش آدمية»، فثمة من تنهي حياتها كي لا تقع أسيرة في قبضة «الأنذال»، وثمة من تقتحم مواقع لهم بقنابل، وثمة من تقوم بعلميات عسكرية ناحجة ثم تظهر على الشاشات لتبدي المزيد من الإصرار والعنفوان.

وفي حين تداوي كوباني جرحها النازف بـ «صمود» أبنائها الأكراد، فإن جبهة افتراضية ثانية اشتعلت من أجل اسم المدينة. هل هي «كوباني»، كما يسميها الأكراد؟ أم هي «عين العرب» كما يحب القوميون العرب؟ طبعاً هذا جدال مجاني وعقيم، فالمدينة اختارت اسمها، وهي دخلت وجدان الرأي العام العالمي باسم «كوباني»، ذلك أن من يدافع عنها هو الأحق بمنح المدينة تسميتها، وليس أسهل من أن يظهر شخص على الشاشات على بعد آلاف الكيلومترات، وهو يتباكى على اسم «عين العرب»، متناسياً أن محنة مئات الآلاف من سكان المنطقة أفظع بكثير من مجرد الخلاف على اسم.

أعادت مأساة كوباني إلى الأذهان تلك المقولة الكردية المتوارثة، «لا أصدقاء سوى الجبال»، وأظهرت، كما ذهبت التحليلات الفضائية، ازدواجية معايير الغرب الذي هب لنجدة إقليم كردستان حينما تعرض لتهديد مماثل، وهو موقف يستحق التقدير، غير أن القوى الغربية ذاتها بدت مترددة في الدفاع عن أكراد سورية، وهو ما يثير الشكوك في دوافع الغرب في التحرك هناك، والاستنكاف هنا.

ومن المفارقات المؤلمة في صراع كالذي يدور في كوباني، هي الافتقار إلى السلاح لا إلى المقاتلين، خصوصاً أن الفرز واضح بين جهة شريرة معتدية، وبين سكان مسالمين اضطروا للدفاع عن مدينتهم المهددة. وتخبرنا تجارب التاريخ أن العنصر البشري ضروري في حسم أي معركة، لكن ما يجري في كوباني أثبت خطأ هذه النظرية، فالمقاتلون بالآلاف. ولكن لا سلاح يكفي لتحقيق النصر. وإزاء هذا الصراع المدوي، ظل النظام السوري بعيداً، وبقي إعلامه صامتاً، وكأن ما يجري لكوباني السورية هو مجرد فصل من فصول روايات الواقعية السحرية.

(الحياة)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث