«لعنة» نوبل

«لعنة» نوبل
المصدر: عبده وازن

يكاد الروائي الأميركي الكبير فيليب روث يكون الفائز الأكبر بجائزة نوبل لعدم فوزه بها، بل لكونه «الخاسر الأكبر» كل عام، كما عبرت الصحافة الأميركية، في سياق حملتها الأخيرة على الجائزة والأكاديمية السويدية. فاز بها صاحب «الرعوية الأميركية»، لكنه ما زال ينتظر إعلان فوزه الذي تأخر وقد يتأخر أكثر ما دامت «الحرب» مفتوحة بين الأكاديمية والمعترك الأدبي الأميركي. يستحق روث الجائزة وتستحقه هي أيضاً. هذا الروائي الذي ينتمي إلى «مدرسة» نيويورك يمثل إحدى ارقى صور الفن الروائي في تجلياته الحديثة وما بعد الحديثة، مثله مثل روائي أميركي كبير هو بول اوستر. لكن «حفيظة» لجنة التحكيم السويدية ما برحت تتحاشى الأدب الأميركي الراهن، منحازة جهاراً إلى الأدب الأوروبي وآداب الشعوب وآداب ما بعد الكولونيالية…

فــي عــام 2008 سئل السكرتير العام للجائزة الكاتب والناقـــد السويدي المعروف هوراس انغدال عن عدم فوز أديب أميركـــي منـــذ عشرة أعوام، فكان جوابه قاطعاً وحاداً: «أوروبا لا تــزال في مركز العالم الأدبي، أما الولايات المتحدة فهي معزولة ومنقطعة كما لو في جزيرة. إنها لا تترجم كفاية ولا تنتمي إلى حوار الآداب». وسرعان ما لقي هذا الجواب ردوداً قاسية عبرت عن الصراع الناشب بين أوروبا وأميركا أدبياً وثقافياً.

بعد مرور واحد وعشرين عاماً على فوز آخر روائية أميركية وهي توني موريسون بجائزة نوبل، يندلع السجال بين الأكاديمية والصحافة الأميركية وإلى جانبها صحافيون انغلوفونيون، لكنّ الضحية هو الروائي الفرنسي الفائز باتريك موديانو. سخر النقاد الأميركيون من الكاتب الفرنسي «المجهول» الذي شغل مواقع البحث الإلكتروني في العالم نظراً إلى عدم رواج اسمه وأعماله، كما عبر صحافي في «نيوزويك»، وكالوا التهم للأكاديمية السويدية وهي باتت جاهزة ومنها عدم الصدقية والانحياز والاستفزاز والتعنت في مواجهة هيمنة الثقافة الأميركية.

وراح بعضهم يقلل من أهمية هذه الجائزة التي تنعكس سلباً على من يفوز بها، وذكّر أحدهم بوصف الروائي الأميركي سول بيلو للجائزة عندما حازها عام 1976 بـ»قبلة الموت». غير أن الحملة الأميركية الأخيرة التي رافقت «خسارة» فيليب روث كشفت مدى الأثر الذي تركته هذه «الخسارة» في وجدان الأميركيين، أدباء ونقاداً وقراء. وليس من العجب أن يصف ناقد «خسارة» فيليب روث بـ «لعنة نوبل» وكأنها فعلاً قدر يتردد كل عام.

لم تفز الولايات المتحدة بالجائزة منذ واحد وعشرين عاماً. قبل الفائزة الأخيرة توني موريسون فاز بها الشاعر الروسي المنفي إلى أميركا جوزف برودسكي عام 1987 وأدرج الفوز تحت اسم أميركا، مع أن الشاعر المنشق يكتب بالروسية ولا أثر له في الأدب الأميركي. كانت هذه أشبه بـ»صفعة» وجهتها الاكاديمية إلى الشعر الأميركي الرائد عالمياً. لكن الأميركيين اضطروا إلى تلقيها بصمت وريبة. ماذا يعني أن يكون أول شاعر أميركي يفوز بنوبل… روسياً؟

عندما أعلن فوز باتريك موديانو شاع للحين الكلام عن المركزية الأوروبية في الأدب العالمي. هذه المركزية لا تزال هاجساً أوروبيا ونوبيلياً. يشعر أهل الأدب الأوروبي أن الثقافة الأميركية ما زالت تجتاح العالم، ومنه أوروبا نفسها، وهم غير قادرين على مواجهتها. بل إنهم وقعوا في شباك هذه الثقافة التي وسمت العولمة ودمغتها. وبدت أوروبا في طليعة البلدان التي تترجم الأدب الأميركي وتساهم في رواجه. يكفي ما تترجم فرنسا وحدها من هذا الأدب. لكن الأكاديمية السويدية تصر على المركزية الأوروبية متجاهلة ما يحصل على الأرض. وهذا الإصرار لا يدفع ثمنه الأدب الأميركي الطليعي بأسمائه الكبيرة، بل الجائزة أيضاً التي ليست ببعيدة عن «خسارة» فيليب روث.

(الحياة)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث