بدأها الأستاذ أفلاطون

بدأها الأستاذ أفلاطون
المصدر: سمير عطا الله

هناك أنواع عدّة من الأدب الروائي، وهناك رواية واحدة هي الرواية الجيدة. ولكن الرواية على أنواعها تحاول إقناعنا بأن أبطالها أشخاص لا نعرفهم. مجرد مشابهات ومصادفات.

ويستخدم الروائيون أساليب كثيرة لإبعاد «الشبهة»، خصوصا، عندما يكون الكاتب نفسه جزءا من السرد، كما كان يفعل نجيب محفوظ أو معظم روائيي العالم.

لا يغيّر الروائي في المكان فقط، بل في الزمان أيضا، ينقل أشخاصه إلى عصر سابق أو يختارهم من التاريخ والقرون الماضية؛ حيث يجد حريّة أوسع في تمرير أفكاره وأحكامه وشروحه من خلال الحوارات واللوحات والإيحاءات، وأبرز النماذج التي نعرفها جرجي زيدان، وأمين معلوف. والتاريخ نبع لا ينضب من التجارب البشرية بكل ظواهرها وجواهرها؛ لذلك، لجأ إليه الأدباء والسينمائيون، والآن التلفزيون؛ حيث قدم لنا الدكتور وليد سيف أعمق الروائع، مؤدّيا في وقت واحد عمل المؤلف وكاتب الحوار وكاتب السيناريو.

من بدأ فكرة اللجوء إلى الماضي؟ لم أحاول البحث، لأنني اعتقدت أن ذلك عمل معقد مثل البحث عن منابع النيل، واكتشاف تلك المنابع أمر عظيم، لكنه لن يكون في عظمة الحياة التي يوزّعها النيل في طريقه بين البراري والصحاري، محولا جزءا من أفريقيا إلى جزء من الجنّة، تاركا ما لا يقع منها في طريقه إلى قسوة الجفاف والقحط و«الشباب» الصومالي.

فقط بطريق الصدفة، عرفت أن أفلاطون كان (على الأرجح) أول من لجأ إلى الماضي للكتابة عن الحاضر. وبمناسبة «الصُدفة» فإن قارئا كريما بعث بملاحظة يصحح لي فيها، أن «الصدفة» خطأ والصح مصادفة لأن الصَدّفَة أم المحار. ويا عزيزي من الصُدف أن الأصل واحد. وهي مناسبة لإقرار بخطأ ارتكبته الذاكرة المتعبة عندما خلطت بين ابن الأثير وابن كثير، فعذرا. ويريد قارئ عزيز أن أجمع في كتاب عقودا من معرفة السياسيين، فأتمنى أن يعطيني الله الوقت والطاقة والقدرة على الانتقاء. ويسأل قارئ إن كان لي من مؤلفات، والجواب، إنها في مطبوعات «العبيكان» و«دار النهار للنشر».

في أي حال، فإن الأستاذ أفلاطون كان أول من وضع حواراته الجميلة جميعها في القرن الذي سبق، على لسان أشخاص عاشوا قبل ولادته تقريبا. غير أنه كان يلمّح بوضوح إلى سياسيين يعيشون في عصره، أو، للصُدفة، في عصرنا أيضا، فالسياسات قلّما تتغيّر، وكذلك السياسيون، إنهم، مثل التاريخ، يكررون أنفسهم، وفي المرة الثانية دائما بمسخرة، كما قال ماركس، الذي تكهّن بذلك، بـ«كيف سيكرره مقلّدوه».

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث