عشرون عاماً من العصا

عشرون عاماً من العصا
المصدر: زياد الدريس

في هذا العام أُكمل عقدين زمنيين من العلاقة مع (العصا)… أتوكأ عليها، وأهشّ بها على سأمي حين لا يكون في يدي غيرها.د

رحلتي مع القصور في رجلي سبقت رحلتي مع العصا بثلاثين عاماً، ثم جاءت العصا قبل عشرين عاماً لتكمل المشهد الثلاثي!

اشتهرت العصا عند العرب بمناقب كثيرة، فهي تعين الضعيف وتنقذ الملهوف وتزيد المستطيع عوناً وخيلاء.

وقد كتب عنها كثيرون متغزّلين بمناقبها وهيبتها وطقوسها، ولم يكن الأمير أسامة بن منقذ وحده الذي خصص عنها مؤلفاً أسماه: (العصا)، لكنه ربما كان الكتاب الأشهر.

أشياء كثيرة اعتاد العرب على وصفها بأنها «سلاح ذو حدين»، يمكن لي أيضاً إدراج العصا ضمن هذه القائمة، فهي تُشبع غرض المهابة والكبرياء عند بعض الذين يستخدمونها لأجل ذلك، لكنها يمكن أن تُستخدم أيضاً لكسر وتحطيم تلك الكبرياء!

أكثر العصيّ شهرة عصا موسى عليه السلام، وأقلها شهرةً عصاي!

ما زلت على رغم كل هذه السنين من العلاقة «العصيانية»، ألتقي بأناس وجهاً لوجه للمرة الأولى فيبادرونني بكل لطف بسؤالهم: (سلامات؟!)، ظناً منهم أنها عَرَضية طارئة، لأنهم لم يروها بجانبي في الصور الصحافية أو التلفزيونية (!)، وأنا للحق لا أتعمد إخفاءها خشية الاستضعاف، لكني لا أتعمد إظهارها خشية الخيلاء.

والشغف بشراء العصيّ المطرزة والمزخرفة يشبه الشغف بشراء السُّبَح، يكمن الفارق بينهما في أن العصا كلما ازداد زخرفها وتزيّنت وظن بائعها أننا مشتروها قلّت فرص استخدامها فانصرفتُ عن شرائها. ولطالما وقفت مأخوذاً أمام جمال ورشاقة وهيبة عصا واقفة في السوق تبحث عن رفيق، لكني أتعوذ من شيطان جاذبيتها وأفرّ متوكئاً على عصاي المتواضعة. فعندما تنمو علاقة استثنائية بين العصا وحاملها تتغير الصيغة التعاقدية بينهما، فيغدو هو يتوكأ عليها احياناً وهي تتوكأ عليه حيناً. كما يصبح صاحب العصا مشغولاً دوماً في الجلسات والمناسبات والمطاعم بالبحث عن كرسي لعصاه، فهو يستقبح ان يبطحها ارضاً كأنها من خشاش الارض!

من قال إن «العصا لمن عصا» دوماً. أحياناً تكون العصا لمن أطاع، إذا وُضعت الطاعة في غير محلها.

ولا عيب في العصا سوى شغف الأطفال بسرقتها واللعب بها ثم رميها في آخر محطة لعب، ما يستدعي عند حاجتي إليها البحث عن تلك المحطة التي آلت إليها المسكينة وحيدةً بعيدةً عن رفيقها.

هذا بشأن سائر الأطفال، أما إذا أصبح لديك حفيدة فستشتري اثنتين من العصيّ، واحدة لاستخدامك وأخرى كي تضيع!

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث