مراسم التحية

مراسم التحية
المصدر: سمير عطا الله

انقضى الصيف ولست في مرابعه المألوفة بيننا. ولا يليق بنا أن يمضي دون وداع. مهلًا يا أمير الفصول ووسيم الوقت وعزيز الذكريات. مهلًا، فلمَ السرعة في الذهاب إلى أهل المنقلب الآخر؟ لم نكتفِ منك بعد. لم.

بحثت في إسبانيا عن مكان تحلو فيه مراسم التحيات. قال لي صديق صحراوي من «العيون» إنه عندما هاجر إلى هنا قبل أربعة عشر عامًا عمل في مزرعة للتين واللوز والخروب. أسرعنا يسابقنا رذاذ المطر وملامح الخريف. وجدنا الحقل فسيحًا وحزينًا وبلا حراسة، وترابه قرميديا. مشينا بين الأشجار والكروم فلم نجد شيئًا إلاّ وقد قُطف. وأخيرًا، عثرت على بضع حبات لوز منسية فكسرتها. ولم تكن هناك طيور، لأنها لحقت بالصيف إلى حيث يوزع الثمر ويزيّن الجوار بحبوب الكرز. وقال الصديق الصحراوي إنه يشعر بحنين دائم إلى هذه البقعة رغم ما شقي فيها. وتذكر بألم زراعة الفراولة، فقد كان عليه أن يظل منحنيًا طوال النهار وسحابة المساء، زرعًا وقطافًا. وقال إن صاحب كل هذه الحقول رجل بخيل، لكنه ساعده في الحصول على الجنسية، ولا ينسى فضله في ذلك. وقال: تعلَّمنا، نحن بدو «العيون»، أن ليس أحط من النميمة سوى نكران الجميل. ويقول أبي في «العيون»، إن الوفاء أنبل الخصال، ولذا، فإن النكران أحطّها.

سألت الصديق الصحراوي إن كان سيبني لنفسه بيتًا في أحد هذه الحقول، بين الخضرة والمياه. وقلت له إن مشهد أشجار اللوز في الربيع عندما تزهر، سوف يكون من المناظر الخلابة. وقال إن هذه الجنّة ليست أرضه. لقد اشترى 84 مترًا مربعًا في «العيون» لكي يبني فوقها منزلًا قرب منزل أبيه. وسألته إن كانت «العيون» مليئة بالينابيع كما يوحي اسمها، فقال إنها مليئة بالرمل. لكنها أرضي.

كثيرة هي طرق نهاية الصيف في هذه المدينة. مكتبة بيع الصحف تتحول إلى سوق عامرة لبيع الكتب المدرسية. وتمتلئ بالأمهات الأبناء. ويقل عدد الغرباء في المدينة ويظهر أهلها بكثرة كأنهم كانوا يختبئون، أصول الضيافة، يا ضيفنا لو زرتنا.

وعندما غادرنا بساتين اللوز والتين وكروم العنب اليابسة الأوراق، اقترح الصديق الصحراوي أن نذهب إلى بساتين أخرى، لنرى كيف تتجدد الحياة في الأرض. انتقلنا إلى سهل من أشجار البرتقال والليمون وحقول الزيتون. ولا حراسة. القطاف آمن هنا. الزيتون على وشك أن يُقطف، والبرتقال سوف ينمو قليلاً بعد، ثم ينضج، ثم يتغير لونه من الأخضر الداكن إلى البرتقالي الفاتح. نتذكر بساتين صيدا وصور أيام زمان. وما كان يُروى عن بساتين يافا. نتذكر.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث