الحج وسجل الأمانة والوصية

الحج وسجل الأمانة والوصية
المصدر: خالد القشطيني

قلما يخطر لنا أن أداء فريضة الحج أدى إلى الكثير من الاجتهادات والمبادئ في الشرع والقوانين، ولا سيما فيما يتعلق بالأمانات. كثيرا ما لقي الحجاج والمعتمرون أجلهم في السفر ذهابا أو إيابا أو عند أداء الفرائض، عرف عن ذلك الكثير في العهود الغابرة وقبل أن تؤمن السلطات الخدمات الصحية اللازمة، ونستعمل وسائط النقل الحديثة، ولهذا اعتاد القوم قبل الشروع بحجيجهم على الشهود والوصاية وتأمين ممتلكاتهم وترتيب توزيعها في حالة موتهم، ومن المعتاد أن يجري ذلك في حفل يضم الأهل والأصحاب يدلي به الحاج ويشهد القوم بوصيته، بينما يودعونه ويرجون له السلامة والحج المقبول.

وغالبا ما يسلم الحاج ما لديه ويؤمنه عند زوجته في حالة سفره منفردا، وإذا كانت معه فيؤمن ما لديه عند ذي ثقة، وهكذا ظهر فريق من الأفراد يتولون هذه المهمة. والطريف في الأمر أن كثيرا من العراقيين اعتادوا عند سفرهم للحج أن يؤمنوا نقودهم ومنقولاتهم عند الصيارفة اليهود مع التوصية بتوزيعها عند موتهم حسب تعليماتهم، وبالطبع كثيرا ما أسفر هذا الأسلوب عن كثير من وقائع خيانة الأمانة، وحسن أو سوء أدائها، فأصبح الموضوع فصلا كبيرا من فصول الفقه الإسلامي، وترتبت عليه حكايات وسوابق وطرائف كثيرة.

مر الأوروبيون بتجارب مماثلة عند سفرهم للحج إلى القدس وبيت لحم، مولد السيد المسيح عليه السلام، وتعاظم الأمر في أيام الحروب الصليبية، فالصليبي لا يعرف ما سيحصل له، وما إذا سيهلك في القتال أو يغرق في البحر، هكذا نشأ مفهوم الترست trust، المشابه للوقف عندنا وأصبح الآن ركنا مهما من أركان التعامل المالي والتجاري والقانوني في الغرب. وراح الكثيرون يستعملونه الآن لتفادي دفع الضريبة للحكومة.

اعتاد المحارب الصليبي قبل رحيله على تسليم ممتلكاته، وبما فيها من العقارات، أمانة عند شخص أو عدد من الأشخاص يتولون إدارتها، كمؤتمنين لصالح المنتفع، وهو عادة أطفاله وزوجته. فالطريف في الأمر أن الغربيين على عكس المسلمين لم يكونوا يأتمنون زوجاتهم، أو يحق أصلا لزوجاتهم أن يمتلكوا الموجودات الزوجية كما الحال عندنا. كان الرجل يفضل تسليمها لرجل آخر على تسليمها لزوجته، ويقوم هذا الرجل الآخر بالتصرف لمصلحتها، أو ما يعتبره لمصلحتها. وسرعان ما تلاقفت البنوك والبيوت التجارية هذه المهمة لقاء الأجور التي يقتطعونها لمؤسساتهم، وأصبح ترتيب الترست ميدانا خصبا لا لرجال البنوك والمال فقط، وإنما لرجال القانون أيضا بما يتطلبه من كتابات ونصوص، وما تفضي إليه هذه الكتابات من منازعات ومرافعات.

وهكذا نرى شرقا وغربا، كيف أدت ممارسات الحج الدينية الماثلة أمامنا اليوم إلى كل هذه الأحكام والابتكارات والمبادرات الاجتماعية والقانونية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث