الجاحظ في باريس

الجاحظ في باريس
خالد القشطيني

علاقتي بباريس علاقة العشق والهجران. كم هجرتها ثم ملكني الشوق فندمت ورجعت. وهذا ما حصل قبل أيام. ركبت الحافلة السياحية وقلت للدليل: خذيني يا سيدتي إلى كنيسة نوتردام. قالت: حاضر، على العين والراس. ويا لها من عينين ورأس! ابتسمت وقالت سيكون. مشت بنا الحافلة بإذن الله. وبعد المرور قليلا بجنائن المدينة وقصورها المهيبة لاحظت أنها كانت سائرة غربا باتجاه قصر فرساي الشهير. قلت للدليل: يا سيدتي الفاضلة، تذكرتي لنوتردام فقط، ولا تخولني السفر إلى فرساي والتفرج على قصرها التاريخي.

أسقط بيد الدليل ونظرت إليّ حائرة في أمرها. خطر لي أن أحل المشكلة لها على طريقة أهل مرو في إيران. قلت لها يا سيدتي طالما كانت بطاقتي لا تخولني زيارة فرساي والتفرج على ما فيها من عمارة عجيبة، فأقترح أن تشدي عيني بحيث لا يقع نظري على القصر فأتفرج عليه مجانا. ثم رويت لها حكاية الجاحظ عن بخلاء مدينة مرو في بلاد فارس، كما وردت في كتابه الشهير «البخلاء». اتفق عدد من الرفاق على شراء فانوس يستضيئون به على أن يتقاسموا ثمنه وثمن ما يستهلكه من الزيت كل ليلة. اتفقوا على ذلك غير أن واحدا منهم رفض وامتنع عن المشاركة بالتكلفة. فقرروا شد عينيه حالما يشعلون الفانوس لئلا يستفيد من نوره. ثم يفكون عنهما المنديل عندما يطفئون الفانوس.

ولما كانت الـدليل فتاة فرنسية من شعب يبزون أهل مرو بالبخل، فقلت لها: طالما لم أشترك ببطاقة تؤهلني لمشاهدة هذا القصر، فمن حقك أن تشدي منديلا على عيني بحيث لا أتفرج عليه مجانا وأستمتع بجماله وروعة هندسته عندما تقترب الحافلة منه.

حقا إن الفرنسيين مشهورون بالبخل والتقتير، ولكنهم أيضا مشهورون بالذكاء وروح النكتة. إذا كان الإنجليز يعتزون بتراجيديات شكسبير فمن حق الفرنسيين أن يعتزوا بكوميديات موليير. ما انتهيت من الاستشهاد بقصة معلمي وسيدي شيخ المعتزلة أبي عثمان الجاحظ حتى استغرقت الفتاة بالضحك فأرتني من الجمال ما يفوق جمال فرساي وباريس. فقالت ولكنني يا مسيو، مدينة لك بثمن هذه القفشة اللذيذة التي رويتها لي، فلن أشد عينيك وسأتركك تشاهد القصر مجانا وبحرية.

المعتاد في كل دليل سياحي كثرة الكلام والهذرفة فيما يعني ولا يعني أي شيء. بيد أنني في هذا الموقف وجدت نفسي في موضع الدليل أهذرف بحكايات سيد الظرف والفكاهة العربية عن البخلاء وعن المعلمين وعن الفقهاء، وهذه الفتاة الفرنسية تسألني عنه وتستزيد حتى أضاعت عليّ متعة التفرج على القصر وحدائقه الغناء. فما انتهيت من الكلام إلا وقد وجدت نفسي عائدا من حيث جئت دون أن أرى أي شيء! ولم أفطن لهذا المكر الفرنسي البارع. لقد أخذت مني متعة حكايات الجاحظ وفوتت عليّ متعة التفرج على قصر فرساي. فما انتهيت من سرد الحكاية إلا وكانت الحافلة قد استدارت عائدة إلى باريس.

نقلا عن الشرق الاوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث