أيام فاتت بغداد في بسماتها ودمائها

أيام فاتت بغداد في بسماتها ودمائها
المصدر: خالد القشطيني

يروي جميل أبو طبيخ، في كتابه «مذكرات بغداد»، أن أخاه وصديقا له كان يتمشيان في شارع الرشيد، شريان الحياة للمدينة، عندما لاحظا السيارة السوداء رقم عشرين تمر بجانبهما. «هذي سيارة نوري السعيد.. ما أدري وين رايحة»، قال أحدهما للآخر. وصلهما الجواب فورا عندما استدارت السيارة نحو جسر الملك فيصل، المعروف بين الناس باسم جنرال مود، القائد الإنجليزي الذي فتح العراق. توقفت ثم نزل منها نوري السعيد، أبو صباح، رئيس الوزراء والحاكم بأمره في العراق.

أشار إلى السائق بأن يواصل السير للبيت وحده. رحلت السيارة ومشى بضع خطوات ودخل دكان أبو عتيشة. وكان هذا يعرف ما يريد، فسلمه بأدب قنينة من قناني الشراب. أخرج جريدة «الزمان»، جريدته المفضلة، وغلف بها القنينة. دفع الثمن وخرج. وراح يتخطى طريقه عبر الجسر. تبعه هذان الشابان قليلا وباغته أحدهما بهذا السؤال: «انت مو حضرتكم نوري السعيد؟».

– «أي نعم».. وواصل السير.

– «بس يعني فخامتك ما تخاف على نفسك؟ ماشي ع الجسر من دون حرس، من دون شرطة؟».

– «ليش أخاف؟ يعني هي الدنيا تياه وفالتو في العراق، والناس تخاف على روحها؟».

ومضى رئيس الوزراء ماشيا على قدميه بكل ثقة، يتأبط القنينة المغلفة بجريدة «الزمان» تحت ذراعه في طريقه إلى بيته المتواضع في دور السكك الحديدية. فالمعروف عن أبو صباح أنه لم يملك أي بيت خاص به، وتصدقت عليه مديرية السكك الحديدية بإعطائه بيتا من بيوتها المخصصة لعمالها وموظفيها.

مشى وتبعه أبو طبيخ بنظراته متعجبا. وكان يوما لم ينسه التلميذ الشاب، يوما من أيام الخير، أيام خير بغداد الآمنة التي فاتت وراحت.

ومرت الأيام وجاءت أيام، وسقطت وزارة نوري السعيد وجاءت وزارة محمد فاضل الجمالي، وجرت انتخابات وعاد نوري السعيد للحكم. وجلس الشاب أبو طبيخ في يوم من أيام يوليو (تموز) الملتهبة، متوترا متهيجا وهو يستمع إلى راديو بغداد يتكلم بصوت مستبشر ومتحشرج: «يا جماهير بغداد!.. بيان.. بيان!.. لقد استطاع الوطنيون والضباط الأحرار أن يمسكوا بالخائن، عدو الوطن، نوري السعيد يعبر شارع السعدون، متنكرا بعباءة امرأة، وهجموا عليه وقتلوه شر قتلة.. وبئس المصير. نعم.. وبشرى للشعب العراقي والأمة العربية»!

وكانت أياما وفاتت: أيام الثورة، وأيام الانقلابات، وأيام صدام حسين، وأيام السقوط، وكل أيام بغداد المدمية.

وجلس أبو طبيخ بعيدا في لندن، يترحم على روح نوري السعيد كسائر العراقيين في هذه الأيام، ويسمع من الراديو أخبار سقوط الموصل بأيدي «داعش»، ويستدعي ذكريات الأيام التي فاتت، ويتذكر الكلمات: «يعني شنو؟ ليش هي الدنيا صارت تياه وفالتو في العراق؟!».
*الشرق الأوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث