وماذا عن الأمم المتحدة: «أل» التعريف

وماذا عن الأمم المتحدة: «أل» التعريف
المصدر: سمير عطا الله

بدت الأمم المتحدة وكأنها الحل المثالي لحياتي المهنية: أبقى في الصحافة من دون مسؤولياتها اليومية. وأظل في الشؤون العربية من دون أن أُحسَب على أي من الرماح المنصوبة. إذا كتبت عن فلسطين صرت في سوريا «عرفاتيا». وإذا كتبت عن سوريا صرت في العراق انهزاميا. وإذا كتبت عن العراق صرت في جيب الملحق «الثقافي» في لندن. وإذا كتبت عن الجماهيرية يمنعك ضميرك (وعقلك) من أن تنام الليل. على الرغم من كل هذا البعد، وهذا الحرص المرضي على الابتعاد، لم أسلم. تركتهم يَفتَرون ونمت قرير العين. تركتهم يتعبون من الكذب والاختلاق وحافظت على كل كلمة من يميني.

لم يكن ذلك مهمًّا، ولا هو مهمّ الآن. لم يكن أحد منهم مهمًّا يومها، ولا أصبح مهمًّا في ما بعد. لم تكن الأمم المتحدة بالنسبة إليّ موقعا صحافيا غنيا فحسب، بل كانت موقفا أخلاقيا أيضا. هنا تُثار قضايا المظلومين والضعفاء. هنا ترفع الدول الصغيرة صوتها ولو لم يسمع صداه أحد سوى التاريخ. هناك تشهد كيف تتصارع الدول الكبرى على كلمة في بيان، أو كيف تضيع قضية العرب في «أل» التعريف: هل نص القرار 242 على الانسحاب من «(ال)أراضي المحتلة» وفق النص الفرنسي، أو من «أراضٍ محتلة» وفق النص الإنجليزي؟

مثل صندوق الأمانات في محطة القطار، كل دولة تضع فيه حقيبتها، لكي تعود في العام التالي وتتأكد من أن اليد لم تمتد إليها. ضاعت القضية العربية في الترجمة. وما لم يضع هنا، ضاع في «بلاد العُرب أوطاني».

لكن الأمم المتحدة ظلت، في كل حال، أنبل فكرة في عالم متوحش. أُنشِئت في الأساس لكي توقف من توالد الحروب. تطلَّع البشر في كوارث الحرب الأولى وتداعوا إلى فعل شيء ما. لكن «عصبة الأمم» لم تمنع وقوع الحرب العالمية الثانية. لم تمنع هبوب الألمان خلف هتلر، والإيطاليين خلف موسوليني، واليابان خلف الإمبراطور المتحدر من الشمس، ومن ثم لم تمنع هاري ترومان من رشق هيروشيما وناغازاكي بعطر الذرة وبخور الفناء الفوري.

ظل القانون قانون القوي، والعدالة عدالة الفظاظة والجنون الفردي والجماعي. ومن اجتمع له المال والعسكر فكر فورا في تغيير الخرائط على الأرض: احتل هتلر فرنسا الضعيفة الاقتصاد، وانقضّ على الاتحاد السوفياتي. في الثلاثينات كانت القوة العسكرية الأميركية تحتل المرتبة السادسة عشرة في العالم (132.069 ألفا) تتقدمها تشيكوسلوفاكيا، بولندا، تركيا، إسبانيا، ورومانيا. وكان رئيس الأركان الجنرال ماك آرثر يستخدم سيارة «الليموزين» الوحيدة في الجيش. ولم يكن وزير الدفاع البريطاني رامزي ماكدونالد يملك سيارة خاصة أو سيارة رسمية، ولذا، كان يركب الباص، أو التاكسي، لكي يُسيِّر أمور الدولة.

بعد الحرب تغيرت خريطة العالم الاقتصادية والعسكرية. انتصر «الحلفاء»، أي واشنطن وموسكو ولندن وباريس الديغولية، وقسمت ألمانيا، وهزمت إيطاليا، ورمت اليابان أحلام الإمبراطور لكي تنصرف إلى صنع الترانزيستورات والسيارات الصغيرة. وانعكس ميزان القوى الجديد على هذه المنظمة المولودة حديثا من صلب عصبة الأمم.

(الأمم المتحدة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث