دفاع عن دولة القانون

دفاع عن دولة القانون
فهمي هويدي

لدى عدة ملاحظات على المؤتمر الصحفى الذى عقده وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم (يوم الأحد 14/9) بمناسبة قتل سبعة مصريين وصفوا بأنهم من أخطر عناصر تنظيم أنصار بيت المقدس، وقدموا فى وسائل الإعلام بأنهم يمثلون خلية التفجيرات والاغتيالات الكبرى، الذين اتهموا بالاشتراك فى 15 عملية إرهابية قتل فيها 44 من رجال الشرطة والجيش.

أدرى أن استهداف رجال الشرطة والجيش جرم لا ينبغى التهوين من شأنه ولا التهاون أو التسامح فيه. وأرجو ألا أكون بحاجة إلى تسجيل ضرورة إخضاع الذين يرتكبون أمثال تلك الجرائم إلى حساب عسير. بل أشد العقوبات التى يقررها القانون. لكننى أحذر من التسرع فى إطلاق الأحكام على المشتبهين أو المتهمين، قبل التحقيق معهم، بقدر ما أحذر من التسرع فى إطلاق الرصاص عليهم وإعدامهم.

إننى أفهم أن إطلاق الرصاص من جانب رجل الأمن يكتسب مشروعيته فى حالة الدفاع عن النفس، الأمر الذى يعنى أنه يمثل استثناء على القاعدة فى حالة الملاحقة. وأرجو أن تكون الواقعة التى نحن بصددها مما يشمله ذلك الاستثناء. إلا أننى لاحظت أن أخبار قتل الملاحقين تكاد تتحول إلى قاعدة فى ظل تواتر الأخبار شبه اليومية التى تتحدث عن قتل «تكفيريين» و«إرهابيين» فى سيناء بوجه أخص، آية ذلك أنه بعد إعلان قتل المواطنين السبعة يوم الأحد قال المتحدث العسكرى يوم الاثنين إنه تم قتل عشرة عناصر إرهابية «شديدة الخطورة» أثناء حملة مداهمات تمت خلال يومى 13 و14 سبتمبر فى محافظات شمال سيناء والاسماعيلية والدقهلية. وقد أصبح ذلك نمطا للأخبار التى تأتى من سيناء. ذلك أن أغلبيتها الساحقة لا تتحدث إلا عن تكفيريين خطرين تم قتلهم.

ما يثير القلق إلى جانب تواتر أخبار القتل أن وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية أحيانا درجت على وصف هذه العمليات بأنها من قبيل الثأر والتصفية. حتى أن صحيفة الوطن وصفت قتل السبعة الذين ذكرهم وزير الداخلية بأنه «يوم الثأر لشهداء الفرافرة». ونقلت عن المصادر المطلعة قولها إن قوة ضباط العمليات الخاصة تحركت «لتنفيذ عملية الثأر». واستخدام هذه اللغة يعطى انطباعا بأن رجال الأمن ذاهبون للقضاء على المتهمين وقتلهم، أخذا بثأر ضحاياهم. بما يعنى أنهم ليسوا ذاهبين للقبض على المتهمين وتقديمهم للعدالة.

إن ما أفهمه أن رجال الأمن لا يلجأون إلى الثأر ولا إلى التصفية لأن ذلك يعد قتلا خارج القانون وعقبة أمام إرساء العدالة. ولكن المؤسسة الأمنية تبذل جهدها لإلقاء القبض على المتهمين لكى يتم التحقيق معهم ثم يقرر القضاء مصيرهم. أما قيامها بكل الأدوار من الإدانة اعتمادا على التحريات الخاصة إلى الحكم بالإعدام بغير أى تحقيق، فذلك يهدر أبسط قواعد دولة القانون. التى يتعين الالتزام بها حتى مع من ترفضهم وتبغضهم. (فى التوجيه القرآنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم «كراهيتهم» على ألا تعدلوا).

فى الوقت ذاته فإن مجرد تصنيف بعض المتهمين ــ هكذا ابتداء ــ بأنهم تكفيريون أو إرهابيون لا يبدو مقنعا من الناحية المنطقية ولا كافيا من الناحية القانونية. والأخبار التى تنشر بين الحين والآخر عن قتل تكفيريين هنا وهناك أصبحت تمثل اعتداء علنيا على أبسط مبادئ العدالة، ذلك أن تلك الصفة أصبحت تطلق بحق أناس ليس بناء على تحقيقات واعترافات، ولكن اعتمادا على تقارير وتحريات المؤسسة الأمنية، التى نعرف جيدا أن محكمة النقض لا تعتبرها دليلا للإثبات، وإنما تراها فقط مجرد رأى للجهة التى أجرتها. وقد يكون المتهمون تكفيريين حقا أو إرهابيين، ولكن ذلك لا ينبغى له أن يؤخذ على محمل الجد إلا بناء على تحقيقات النيابة وليس اعتمادا على تصنيفات الإعلام الأمنى وحده.

لقد ذكر وزير الداخلية أن السبعة الذين قتلوا ووصفوا بأنهم خلية التفجيرات والاغتيالات الكبرى سبق لهم أن اشتركوا مع آخرين من عناصر أنصار بيت المقدس فى تفجير مديريتى أمن القليوبية والقاهرة. وكان اللواء هانى عبداللطيف المتحدث باسم الداخلية قد أعلن فى 11 مارس عن مقتل منفذ تفجير مديرية أمن القاهرة، وهو شخص باسم محمد السيد منصور. وشهرته «أبوعبيدة».

هذا الكلام له أهمية خاصة، لأنه فى الوقت الذى تحدث فيه وزير الداخلية والمتحدث باسم الوزارة عن اشتراك أنصار بيت المقدس فى تفجير مديرتى أمن القليوبية والقاهرة، كما أن تلك الجماعة بثت شريط فيديو سجل قيام عناصرها بعملية التفجير، فإن السياسة المصرية ارتأت فى حينها شيئا آخر. إذ ما أن وقع تفجير القليوبية فى 24 ديسمبر عام 2013، فإن مجلس الوزراء اجتمع فى اليوم التالى مباشرة (25/12) وأصدر بيانا استهله بالعبارة التالية: روعت مصر كلها من أقصاها إلى أقصاها فجر أمس الثلاثاء بالجريمة البشعة التى ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين بتفجيرها مديرية أمن الدقهلية وسقوط 16 شهيدا وأكثر من 130 جريحا.. الخ. وبنى مجلس الوزراء على ذلك قراره باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، يعاقب المنتمون إليها أو المروجون لها بالعقوبات المقررة قانونا لجريمة الإرهاب. وقرر المجلس إخطار الدول العربية المنضمة لاتفاقية مكافحة الإرهاب بذلك.

هذه الخلفية تشير بوضوح إلى أن قرار بأهمية اعتبار الإخوان جماعة إرهابية انبنى على معلومات غير صحيحة، واستند إلى هوى سياسى وليس على معلومات موثقة، الأمر الذى يدعونا إلى إعادة النظر فى الكثير من التداعيات التى ترتبت عليه وتوالت خلال العام الأخير. فضلا عن أنها تنبهنا إلى ضرورة التثبت من صحة الكثير من المعلومات التى تم تداولها فى ذلك السياق.

ولايزال فى حديث وزير الداخلية ما يستحق المناقشة ــ غدا نواصل بإذن الله.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث