لبنان: ساحة الحرائق وتصريف الأعمال

لبنان: ساحة الحرائق وتصريف الأعمال
المصدر: صبحي حديدي

ليست جديدة، بل لعلها صارت كلاسيكية وأقرب إلى توصيف شخصية البلد، تلك الحال التي تجعل لبنان ساحة مفتوحة تُدار عليها صراعات عربية وإقليمية شتى، وتُختبر على أرضها أوراق القوّة والضعف والتوازنات والتحالفات والتقلبات. وثمة، دائماً، شرارة لبنانية ـ لبنانية، منها يندلع اللهيب الداخلي، فينتقل إلى أكثر من جوار، ويستجلب استطراداً المزيد من الحرائق الخارجية إلى الداخل اللبناني.

تاريخ لبنان الحديث سجّل اشتعال الحرب الأهلية، وتدخّل النظام السوري، ونشر قوّات الردع في صيغتها العربية الأولى ذات العمر القصير، ثمّ التدخل الغربي، والاجتياح الإسرائيلي، والتدخل الإيراني عبر الطور الثاني من صعود «حزب الله» العسكري؛ فضلاً عن شتى أشكال التدخل «الناعمة»، التي جعلت من هذه القوّة الخارجية أو تلك لاعباً أساسياً على الساحة، من خلال حلفائه، أو أتباعه أيضاً، ضمن التركيبة السياسية والاجتماعية والمالية لمختلف الأطراف اللبنانية.

جديد هذه الأيام هو، بالطبع، الانتفاضة الشعبية السورية ضدّ نظام بشار الأسد، واضطرار «حزب الله» ـ بضغط شديد من إيران، أقرب إلى الأمر العسكري والتكليف الشرعي ـ إلى نصرة هذا النظام عسكرياً، وبكثافة قصوى. أشكال المستجدات الأخرى، التي تفرّعت عن هذا الجديد الرئيسي، شهدتها مدن وبلدات لبنانية، مثل طرابلس وصيدا وعرسال؛ ولعلها، مع الإسقاطات الطائفية والدينية التي اكتنفت حرق رايات «داعش» و»جبهة النصرة»، تهدد بانتقال اللهيب إلى قلب العاصمة بيروت.

على جبهة الداخل، السياسية اللبنانية، ما تزال أنماط اشتغال «الدولة» معطلة من حيث الشكل والاشتراط الدستوري والمؤسساتي؛ وأقرب إلى تصريف الأعمال و»تمشية الحال» من حيث المقتضيات العملية، سواء في مستوى الحكومة، التي تأتي ولا تأتي، أو رئيس الجمهورية الذي انتهت ولايته فاحترم نفسه وكرّم المنصب بعدم قبول التمديد، فظلّ القصر الرئاسي خاوياً، رامزاً وشاهداً على شخصية هذا البلد!

أمّا مجلس النوّاب، فإنه الرامز الآخر، والشاهدد الأبلغ ربما، على حال لبنان: بلد الحرائق، وتصريف الأعمال، سواء بسواء. نبيه برّي في رئاسة المؤسسة ذاتها التي عطّلها عن سابق قصد وانحياز سياسي، وحوّلها إلى أضحوكة، طيلة أشهر؛ وسلطة المال السياسي الحريري، استمرار النهج الذي دشّنه رفيق الحريري سنة 1992، في وزارته الأولى، ويتابعه اليوم نجله ووريثه السياسي سعد الحريري، تشغل موقع الكتلة الأكبر. وفي الماضي، غير البعيد أبداً، كان برّي والحريري الأب حليفَيْن، والأحرى القول: كانا تابعَيْن، لشبكات النظام السوري الأمنية والسياسية والعسكرية والمالية؛ وهما اليوم، مع الحريري الابن، يفترقان في جغرافية الشبكة فقط، بين دمشق وطهران والرياض مثلاً، ولكنهما يواصلان روحية الإتّباع ذاتها!

الأغلبية مؤلفة من نعظم السنّة، ومعظم الدروز، و»الكتائب» و»القوات اللبنانية» الممثّلَيْن لقرابة نصف المسيحيين؛ والأقلية شكّلها تحالف «حزب الله» وحركة «أمل» الشيعيتَيْن، وقرابة نصف المسيحيين كما تمثّلهم مجموعة ميشيل عون. الميول الشعبية، كما شخصتها آخر انتخابات نيابية، بدت محسومة تماماً عند الطوائف المسلمة، فصوّت السنّة لمرشحيهم بنسبة تجاوزت 88%، والشيعة بنسبة 90%، والدروز بنسبة 92%؛ ولكنّ الميول كشفت، في الآن ذاته، عن انقسام في صفوف المجموعات المسيحية المتنازعة، بحيث آل إلى السنّة والدروز أمر ترجيح فريقَيْ «الكتائب» و»القوات اللبنانية» حلفاء 14 آذار، وتولى الشيعة دعم مرشحي الجنرال عون المسيحيين.

وهكذا، ورغم كلّ جديد، لا يلوح أنّ شمس لبنان تشرق حقاً عن جديد: لا «حزب الله» سوف ينزع سلاحه، ولا حسّ المواطنة سوف يعلو على الولاء للطائفة، ولا «المال الطاهر» سوف يتنازع مع «المال الحرام»… حرائق، نعم؛ وتصريف أعمال؟ نعم، أيضاً!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث