بلا حياء أو ذاكرة

بلا حياء أو ذاكرة
سمير عطا الله

حاول أن تتأمل كم يُصرف على السلاح كل يوم، وكم يُصرف على الخبز والتعليم والحياة. لاحظ ما تشاهد في النشرة كل يوم: عدد المقاتلين الذين يسرحون، وعدد الأطفال الذين يبكون جوعا ورعبا، وبلاد من الخيام مثل أيام الإنسان الأول.

في السنة الثالثة للحرب العالمية الأولى (1917) كتب ل. ب. جاكس أنه خلال عامين قُتل 6 ملايين شخص وما يزال القتل مستمرا، وشوّه 35 مليون إنسان وما يزال التشويه مستمرا، ودُمِّرت ممتلكات قيمتها 15 مليار إسترليني وما يزال التدمير مستمرا. تابع ما يقول وتأمل حولك «إعصار من العناصر البدائية ومن الفوضى والقتل المتوحش والدمار المجنون، وفي المقابل فرقة من كتّاب الخطب والمقالات والمحللين السياسيّين يردِّدون في نغم رتيب تعابير مثل الإنسانية والمجتمع الدولي… إلخ».

يقول أيضا: «تخيَّل ستة ملايين قتيل و35 مليون جريح.. وسوف تفهمني عندما أقول: آه، ليتهم جميعا يخرسون». كأنه يكتب عن حالنا في عام 2014. هناك دائما شبه بين ثرثاري القتل وفلاسفة الموت في كل العصور. لكن في أيام المستر جاكس لم يكن التلفزيون قد أضيف بعد، ولا هذه الوجوه الصفيقة التي لا تخجل من شيء ولا تخاف من ضمير ولا تخشى على سمعة.

أسوأ أنواع العاملين في الحياة العامة، من أي فئة أو طبقة أو نشاط، هم الذين ولدوا فاقدي حس الخجل والحياء، لأنهم سوف يفعلون ما يشاءون أو ما يُشاء لهم. يقول المستر أنطوني لوكاس في «السنة الثالثة للحرب» إن الإنسان هو آكل اللحوم الوحيد الذي يقتل جنسه. السباع والضباع والذئاب لا تفعل ذلك أو بالأحرى تأبى أن تفعل ذلك.

تأمل نشرة الأخبار. رجال يقتلون من جنسهم ومن دينهم ومن وطنهم ومن جيلهم ومن لغتهم ومن تاريخهم. يسرحون فوق الجثث كأنهم يمرحون فوق الأزهار وعلى ضفاف الأنهر. لا أذكر مرحلة أو حقبة لم يكن فيها قتل أخوي في الداخل أو عبر الحدود. لا تتميز هذه المرحلة إلا بالأحجام والأعداد. حجم الدمار وأعداد القتلى والمشوهين والمشردين. إنها السنة الثالثة للحرب الحالية وهي ليست الأولى ولا الأخيرة. قتل في الجزائر ولبنان نصف مليون بشري بلا أسماء أو لجنة تحقيق. تحول لوردات الحرب إلى لوردات الوطن وسادة الدولة ومالكي المصير. أو ما تبقى منه.

نحن لسنا فقط بلا حياء بل أيضا بلا ذاكرة. الناس تتذكر موتاها، ونحن ننسى أحياءنا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث