النص الديني دليل «داعش» وبوصلتها

النص الديني دليل «داعش» وبوصلتها
موسى برهومه

أن تكون أنباء تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مسيطرة على الأخبار، وتعليقات الكتاب ومتابعات الإعلام، وأن تشكّل خطراً حتى على مصالح من اعتقد أن التنظيم ربما يخدم تطلعاته السياسية، ويطيح بخصومه الإقليميين، وأن ترفع بريطانيا درجة تـأهبـها الأمني إلى درجـة «شديـد جداً»، في مواجهة ما وصفته بالتهديد الإرهابي المرتبط بسوريـة والعـراق، فـذلك كله وسـواه يعنـي أن ما كنـا نـعتـبـره «مـزحـة» أو «تقـــليعة» لبـــعض الجماعات الإسلامية المسلحة غدا واقعاً مادياً يهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور!

وما يجعل «مشروع داعش» يؤخذ بهذه الجدية، وأن يكون مشفوعاً بكل هذه المخاوف، هو أنه يتخذ شكل تمدد سرطاني واسع، ويحوز على أنصار ومال وموارد طبيعية ومقاتلين وأسلحة متطورة جعلت الرئيس العراقي فؤاد معصوم يعبّر صراحة عن الحاجة «الى أكثر من الضربات الجوية الأميركية، لأن لدى «داعش» أسلحة متطورة لا تقارن مثلاً بالأسلحة الموجودة لدى البيشمركة ولا بالأسلحة التي بقيت لدى الجيش العراقي».

ويتمتع «داعش»، فضلاً عن ذلك بما يشبه مجموعة من «المشروعيات»، أولها أنه يزعم تمثيله أهل السنّة، وأنه عازم على رفع المظلومية عنهم، على ما يعنيه ذلك «الرفع» من تمدد سنّي خالص على حساب ما هو غير سنيّ، شيعياً أكان أم مسيحياً أم كردياً أم إيزيدياً. وثانيها أنه يستمد تلك المشروعية، في أن يكون المعبّر عن الطموح السياسي لأهل السنّة، من ميراث نصي يتمتع بدرجة القداسة، ما يصبغ كل ما يمارسه التنظيم بلون ديني لا يتناقض أبداً مع النصوص.

وثالث تلك «المشروعيات» أن «داعش» يتغذى من حالة إحباط تاريخية عميقة يـرزح تـحـت ثـقـلها الطويل المسلمون والعرب، بفعل الهزائم السيـــاسيـــة والنفسية، والتغطرس الغربي والإمبريالي، واستبداد الحـكام، والظلم، وتقــهقـر مشــروع الإسلام، ما جعل إعلان «الخلافة» تكئة لخلق حالة الانبعاث الجديد للروح الإسلامية.

وتضاف إلى ذلك «مشروعيات» يحبّذ التنظيم تسويقها من قبيل المشروعية الدينية التي تُلصق بـ «الخليفة» أبي بكر البغدادي بصفته «القرشي الهاشمي الحسيني نسباً، السامرائي مولداً ومنشأ، البغدادي طلباً للعلم وسكناً».

وبعيداً من المحاكمة المنطقية لكل هذه «المشروعيات»، وفي منأى عن إعمال العقل بكل ما يحيط بـ «داعش»، فإن التنظيم أصبح حقيقة، وصارت له ولايات، ودواوين للتعليم والتربية، ويُصدر مراسيم بتغيير المناهج التعليمية، وتنظيم قواعد «العيش» داخل الدولة التي أعرب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن ذعره العميق من قيامها على سواحل البحر الأبيض المتوسط.

«بريق داعش» أضحى يخطف ليس اهتمام المحللين، ولا مخيلات أولئك المقهورين من عرب ومسلمين، وبل وأيضاً فئة واسعة ممن يعيشون في أوروبا وفي ظل مجتمعات ديموقراطية توفر لهم كل أسباب العيش الرغيد، لكنهم يذهبون للقتال مع هذا التنظيم. وتقدّر بريطانيا عدد الجهاديين من مواطنيها الذين توجهوا إلى سورية والعراق بما يتراوح بين 400 و500 شخص.

وما يجعل «داعش» مرشحة أكثر فأكثر إلى التوسع أنها تحقق «انتصارات» على الأرض، وتقدم «تسهيلات» لمن ينتسب إليها، بحيث جعلت صديقاً ساخراً يعلق بأن فكرة الالتحاق بـ «داعش» صارت مغرية أكثر من الهجرة إلى كندا!

تنظيم الدولة الإسلامية رصيده الأساسي مستمد من حال الجهل والتخلف والفقر وانعدام العدالة وتفشي الفساد والظلم، واستمرار الغطرسة والعدوان الغربي على الوجدان الإسلامي والعربي، وهذا منجم كبير يستثمر فيه هذا التنظيم أيما استثمار، لكنه يستثمر في ما هو أكثر نفعاً وأبدية، وهي خدمة مشروع الإسلام، والتقرّب إلى الله عبر إقامة شرعه، وتطبيق حدوده، بحيث تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

لذلك، فإن أبا بكر البغدادي، ممتلئ باليقين القاطع البتّار بأن ما يفعله، وما يقوم به أنصاره إنما هو من وحي النص الديني المقدس، سواء كان قــطع رأس، أو بــتـر يد، أو سبي نــساء، أو تحصيل جزية، أو تـــــــهديم المعابد والصروح والتماثيل، أو التشجيع على الزواج بواحدة واثنتين وثلاث وربــاع، أو ما ملكت أيمانكم، إلى آخر تلك القائمة التي يُنظر إليها باستهجان وتقزّز.

النص دليلُ أبي بكر البغدادي وبوصلته وحادي عيسه، ومـــا يحققه من «انتصارات» على الأرض، لا يخـــــــرج قـــــيـــد أنملة عــــن وصايا»السماء» وتعليماتها. فإذا كانت ثمة ملائكة غير مرئيين قاتلوا مع المسلمين في معركة بدر، وفق الرواية الدينية، فإن النص الديني يقاتل مع البغدادي، وينصره، ويؤيده بجنود من عنده!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث