النشرة

النشرة
سمير عطا الله

قبل أعوام كنت على موعد مع مسؤول عربي رفيع. وعندما وصلت إلى مكتبه وجدته في الخارج يودع رجل دين لبنانيا تربطني به أعلى المودات. ويبدو أن المفاجأة جعلت اللقاء حارا. فلما دخلت المكتب مع المضيف، قال باسما: «يبدو أن صداقة كبرى تجمعك بالرجل». شكرته على الملاحظة، فأضاف «لكن يبدو لي أنه لا يتمتع بنفوذ كبير في لبنان». قلت له: «هذه عندنا من أسهل الأشياء. فليفجر غدا قنبلتين وسوف ترى مدى نفوذه». نحن في عصر لا يريد فيه أحد الأخبار السارة. لن يصغي أحد إلى نشرة أنباء تقدم كل يوم أنباء الاختراعات الطبية على أنباء القتل. اعتادت الناس أن تفتح نشرة الأخبار لكي تتعرف إلى آخر الكوارث. لن يصغي أحد إلى نبأ المصالحة الفلسطينية لأنه لن يصدقها في أي حال. لقد تعود أن الأخبار الطيبة لا تأتي من حيث يتمنى. فقط نفيها يأتي من هنا.

يتقاضى رئيس تحرير الأخبار في «فوكس نيوز» 29 مليون دولار في العام. لماذا؟ لأنه أكثر من يعرف كيف «ينقم» حياة الأميركيين. ما إن يجلسوا إلى العشاء حتى يندفع على رؤوسهم بالمشهيات: زلزال في هايتي، الفيضان السنوي في بنغلاديش، مؤتمر صحافي لباراك أوباما عض فيه على شفته السفلى 72 مرة.

كان نجوم السينما في الماضي، في السينما، والآن هم في نشرة الأخبار. كريستيان أمانبور أشهر من نيكول كيدمان. والجمهور المصري لم يعد يحركه الزعماء بل المذيعون. ولا الخطاب الحزبي الذي لم يعد له وجود، بل «الخطاب» الإخباري. والتظاهرات تخرج إما من أمام مبنى التلفزيون أو عليه. والتظاهرة التي تحاصر هيلاري كلينتون في الفندق دعا إليها مذيع، وليس سياسي أو حركة تضامن.

دخلت النشرة حياتنا على نحو مرضي. جعلتنا نفقد حاسة الجمال والطيبة. عودتنا أن نتفرد على انهيار العالم العربي. تبلدنا وصرنا لا نرضى بعدد محدود من قتلى النهار في سوريا أو العراق أو غزة. وصارت الفاكهة اليومية أخبار مصر على «الجزيرة»، حيث تبحث الكاميرا في الأزقة المعتمة عن خمسة متظاهرين لا يزالون يبحثون بدورهم عن الدكتور مرسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث