مائة أغسطس

مائة أغسطس
سمير عطا الله

انقضى أغسطس (آب) الأكثر حرارة في عقود. خريطة من الحرائق الكبرى عابرة الحدود في مناطق كانت عناوين الحرب العالمية الأولى، التي مر عليها مائة أغسطس هذا العام: من بلاد القرم؛ حيث المشاة الروس إلى سماء أربيل؛ حيث عاد الطيارون الأميركيون. وفي فلسطين تعيد الحرب على غزة المسألة برمتها إلى 1917 ووعد بلفور، وبينما استمرت قاذفات إسرائيل الجوية والبحرية والأرضية في قصف المدارس والمساجد باعتبارها «مخازن أسلحة»، خرجت تظاهرات في عواصم أوروبا ترفع شعارات مناهضة للسامية، كما كان الأمر أيضا قبل مائة عام.

ربح هتلر أول حروبه في تشيكوسلوفاكيا، لكنه عندما أكمل صوب بولندا خسر الرأي العالمي وانكشفت حقيقته وتكاثر أعداؤه. إسرائيل تقلِّد عدوها الأول. عام 1956 خسرت مصر عسكريا حرب السويس، لكن العدوان دمر بريطانيا وفرنسا بصفتهما دولتين إمبراطوريتين. قصف المدارس والعائلات والأطفال في غزة ألَبَ الرأي العالمي على حكومة لا أصدقاء لها سوى في البيت الأبيض، لأن جون كيري رجل يكرهه نتنياهو.

في هذا الجانب من العالم، تبدو جميع الأمور كما كانت قبل مائة عام: «المسألة الشرقية» مطروحة من جديد في فسيفساء الطوائف والأعراق، والخريطة الوطنية مطروحة من جديد، والمشروع القومي في النار، والقوى الفاعلة والمتفاعلة عبارة عن مجموعة ضعفاء، بينما تذهب القوة الحقيقية من الجيوش السابقة إلى الميليشيات اللاحقة.

«سمِّه ما شئت، لكنه عالم يشتعل في كل مكان»، قال أحد مساعدي أوباما السابقين في مجلس الأمن القومي. لكن الحريق الكبير هو هنا؛ حيث الدولة العربية مهددة من الداخل. مائة عام من الطمأنينة المخادعة والقوة العسكرية الجبارة التي تنهار أمام أول حملة من النوع الداعشي، حتى إن جون كيري قال إن المفاجأة ليست انتصار «داعش» بل فرار العسكر العراقي في الموصل.

تراجع الدولة وتقدم الجحافل، من بوكو حرام في نيجيريا؛ حيث عجزت الحكومة عن العثور على مئات الفتيات المخطوفات، إلى «داعش» في الموصل؛ حيث تباع السبايا في المزاد العلني، عودة معلنة إلى عصور العبودية تحت رايات سود وشعارات كثيرة. وسط كل هذه الانهزامات الشائنة، يرتفع صوت شجاع واحد ضد الانهيار الأخير، هو صوت الملك عبد الله بن عبد العزيز.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث