السبب

السبب
المصدر: سمير عطا الله

عندما سافرت إلى أوروبا أوائل الستينات كان العرب فيها قلَّة. بلدانهم مرتاحة «نفسيا» والأمل كبير. وكنت لكي تعثر على صحيفة عربية تقرأ فيها أخبار الوطن، تذهب إلى كشك خاص لبيع الصحف الأجنبية. وإذا التقيت عربيا في المترو أو الباص، فرحت وفرح بالمصادفة، وليس هربت أو تهرَّب خوفا من أن يسألك أو تسأله من أي بلد أو طائفة أو لون أو حزب أو جماعة هو، أو أنت، لأن الجواب مصيبة غالبا، أو تذكير بعدد قتلاك أو قتلاه، أو مهجّريك أو مهجّريه.

اليوم، الصحف العربية تُطبع في أوروبا وتُوزّع في كل مكان. التلفزيونات تعرض عليك في الصباح وقبل النوم صورة الأمة بجميع فئات الدم وجميع أشكال الخراب وجميع أنواع الكره والمكاره. وإذا بقي لك ما تحن إليه، فحظا سعيدا.

لماذا يسافر، أو يهاجر العرب؟ لماذا بدأوا قلّة قليلة وصاروا اليوم جماعات وجماهير؟ لماذا يأتون أغنياء وفقراء ومنفيين وليس لهم ما يحنّون إليه؟ لماذا تركوا ويتركون كل شيء ويندفعون نحو ما كنّا نسميه شاعريا الغربة أو المنفى؟ ظهرتُ أيام الرئيس حافظ الأسد على التلفزيون السوري، ولاحظت أن المقابلة أذيعت خمس مرات، فسألت الزميل علي جمالو، الذي أجراها، عن السبب، فقال: «تعليمات من القصر، لأنك قلت الكرامة أغلى من الأرض».

جميع الذين هجروا البلدان العربية، فيما عدا الطلاب، لم يريدوا العيش كمواطنين من الدرجة الثانية، بصرف النظر عن السبب. أرادو ملجأ تعاملهم فيه الدول والناس كبشر لهم كرامات. سمعوا أن جمعيات الرفق تهتم بالحيوان، فقالوا لا بد أنها ترفق بالبشر أيضا. هناك تعريفات كثيرة للإنسان، منها أنه حيوان ناطق أو مفكِّر أو عاقل، لكن التعريف الأعمّ أنه مخلوق يعرف معنى الكرامة. لذلك، عاشت البشرية تحارب الذل وفكرة مواطن الدرجة الثانية. ولذلك، سقطت اليونان وروما وإسطنبول وباريس ولندن. ولذلك قالت أنجيلا ميركل، التي نشأت في ألمانيا الشرقية، أن لا أهمية لأي سعي بشري إذا لم تكن الكرامة الإنسانية من مكوّناته.

انهار العالم العربي لأنه خال من كرامة المواطن. عند أول لحظة مواتية هب الجميع ضد نظام لم يوفِّر سوى الإهانات والسجون والاستعلاء والغطرسة. أمضينا العمر نكتب ضد التمييز العنصري في أميركا وجنوب أفريقيا والهند (ناهيك طبعا بإسرائيل) لكن التمييز الحقيقي كان هنا. أجل هنا، حيث أصبح «الثائر» أكثر ظلما وقسوة وحقدا وغطرسة وسوء خلق وسوء معاملة وسوء نيّة. هذا هو السبب اللاواعي الفرويدي لكل هذه الجماهير المغادِرة، إمّا برا أو جوا أو خياما على مد النظر.

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث