رسالة إلى حيدر العبادي

رسالة إلى حيدر العبادي

محمد فهد الحارثي

السيد رئيس الوزراء المكلف: حيدر العبادي، نهنئك أولاً على مسؤولياتك الجديدة ونسأل الله لك العون وهذا تكليف وليس تشريفاً ومهمة جسيمة في لحظة تاريخية حساسة للعراق والعالم العربي. ولا شك أنكم استلمتم تركة أثقلها بالجراح سلفكم السابق، الذي استلم العراق موحداً ويسلمه الآن وهو شبه مجزأ، ومدن تم قضمها فجأة فأصبحت الموصل درة العراق تحت الاحتلال الداعشي.

وترسخت الطائفية المفرطة في العراق نتيجة سياسات أحادية رسخت الإقصاء والتهميش وتحمل النفس الطائفي، بدلاً من أن تكون القيادة التي تجمع الجميع. وأصبحت العراق مصنفة عالمياً في المراكز الأولى في الفساد. وانتشر نتيجة لذلك الظلم والفقر والتباين في الدخولات.

وبدلاً من أن يلتفت إلى الشأن الداخلي أصبح قرار عاصمة الرشيد يدار في عواصم أخرى، وكل هذه التنازلات من اجل استمراريته في الرئاسة. حينما يتحول التعلق بالمنصب والسلطة إلى رغبة شخصية على حساب المبادئ والقيم يصبح ذلك دماراً للشخص والدولة.

وأدرك أن هناك نوايا طيبة من قبلكم لإعادة العراق إلى طريقه وتحصين جبهته الداخلية وترسيخ وحدته الوطنية، ولكن النوايا وحدها لا تكفي فهناك الكثير مما ننتظره منكم، خاصة أنكم تتمتعون بدعم داخلي ودولي غير مسبوق، وهذا يعطي لكم ضوءاً أخضر لتولي زمام القيادة لاتخاذ القرارات الصعبة والخروج من عباءة الآخرين الذين يحاولون أن يعطلوا العربة طالما أنهم خارج غمرة القيادة.

وتمثل حادثة مسجد ديالى الذي ذهب ضحيته العشرات من الكبرياء ويتهم فيها ميليشيات شيعية مثال واضح على حجم التحديات وربما المؤامرات التي تهدف إلى تعطيل تشكيل الحكومة ودفع العراق إلى صراع طائفي دموي مروع.

واسمح لي أن أحدد بعض النقاط الذي ألمسها متابعاً من خارج العراق، وواحد من الذين يعتزون بتاريخ وحضارة وتضحيات العراق. ومن الذين يثقون أن العراق مكانه العالم العربي وليس تحت أي مظلة أخرى. لقد عاش العراق موحداً وهذا هو وضعه الطبيعي، فلا بد من سياسية تحتوي الجميع وتؤمن بالمساواة بين العراقيين بغض النظر عن مذاهبهم وأعراقهم.

وتعزيز نظام ديمقراطي للدولة يحميها من أي اجتهادات أو حماقات شخص يصل للرئاسة ويتمسك بها،وأن فكرة المحاصصة والتوافق في توزيع المناصب خطر يولد نتائج سلبية على واقع البلد ومستقبله، ولا تذهب بعيداً فانظر حولك تجد بلداً مثل لبنان استشرت فيه السياسة الفاسدة لأنها تقوم على المحاصصة وفق التصنيف الطائفي، ولا بد أن تكون المناصب وفقاً للكفاءة والنزاهة.

وتعزيز المراقبة على المال العام ومحاسبة الذي يستغلون مواقعهم في الاستفادة الشخصية لهم. والتقييم يكون على أداء وكفاءة الموظف فقط وليس أي حسابات أخرى.

القضية الأهم للحكومات هي التنمية وبناء حياة كريمة للمواطن، وحينما تنشغل الحكومات بالسياسة فهي في الواقع تهرب من استحقاقات التنمية.

فالفقر والبطالة وتدهور الخدمات الأساسية واهتراء البنية التحتية هذه جميعها نتائج لسياسة الحكومات، ويحتاج العراق أن يبدأ من جديد وبعيداً عن تصفية الحسابات وأجندة الانتقام، لكن هذا لا يعني السكوت على الاختلاسات الضخمة التي حصلت في الفترات السابقة بل لا بد من وضع محكمة ذات سمعة ونزاهة عالية لمراجعة الصفقات السابقة ومحاسبة المسؤولين واسترداد أموال الدولة، فالتسامح لا يعني التفريط،ولا بد من الاستماع إلى رغبات الناس ولا يجب أن يدعي احد امتلاكه الحقيقة، فإذا كانت هناك رغبة للفيدرالية فهو خيار ممكن، ويعتبر أحد الحلول المطبقة والناجحة في كثير من الان ظمة السياسية، ولكن لا بد أن يبنى على رغبات الناس في مختلف المناطق، ويفصل في ذلك صندوق الاستفتاء الذي يجعل للقرار شرعيته.

امتداد العراق عربي وبغداد هي العاصمة والحاضنة للحضارة الإسلامية لمئات السنين وستبقى دائرتها الأولى عربية.

ومن مصلحة العراق بناء جسور علاقات قوية وصادقة مع السعودية ودول الخليج والقاهرة وبقية الدول العربية، فمن الأخطاء القاتلة لرئيس الوزراء السابق أنه نسف جسوراً مهمة مع عواصم عربية مؤثرة، وعادى دولاً مهمة في تخبط سياسي واضح، ومن أبجديات السياسة أن تبقي الحد الأدنى من قنوات الاتصال وأن توجد أي طريقة لتعزيز علاقاتك مع الآخرين، بينما غامر المالكي بوضع بيضه كله في سلة طهران، التي حتى هي شعرت بالعبء الذي أصبح يولده عليها، واختارت في اللحظة المناسبة التخلي عنه.

– اتضح بعد سقوط الموصل في ساعات بسيطة أن الجيش العراقي فقد ثقته في قيادته، وأن السياسات الطائفية التي كان يتبناها الرئيس السابق أضعفت عقيدة الجيش وروحه القتالية. العراق يحتاج إلى بناء جيش قوي موحد انتماؤه فقط للعراق.

– يعيش العالم العربي في فترة ربما من أصعب المراحل في تاريخه المعاصر، وبداية التحولات كانت من العراق في قرار مفاجئ باحتلال الكويت ومن هناك انفرط الخيط وتساقطت حبات المسبحة وسقطت كثير من الأقنعة. وربما يكون للعراق مرة أخرى دوره القيادي في ترسيخ وحدة دولته وتماسكها، ومن ثم قيامه بدوره العربي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث