دلو ثلج ودلو رمل

دلو ثلج ودلو رمل

مشاري الذايدي

انتشرت في العالم بشكل مذهل ظاهرة سكب دلو ثلج أو ماء مثلج على الرأس، في رسالة تعبيرية عن التضامن مع المصابين بمرض التصلب اللويحي.

مشاهير من ساسة وفناني ولاعبي وأثرياء العالم تضامنوا مع هذه الحملة بهذه الطريقة الظريفة واللافتة، من شرق الأرض وغربها.

المرض كما يعرّف به هو خلل يصيب الأعصاب، ويشل قدرتها على الحركة مع الوقت، بادئا بالأعضاء الإرادية الحركة، مثل اليدين، وينتهي بالأعضاء غير الإرادية مثل القلب، وقد ذهب ضحية المرض كثير من البشر.

حملة إنسانية نقية، تجمع البشر ولا تفرقهم، إذ إن المرض لا يفرق بين البشر على أساس دين أو لون، وكم هي مشرقة ومضة كهذه في ظلمات الليل البهيم، الذي تمر به البشرية هذه الأيام من انفجار للكراهيات وغرائز الحقد الديني والطائفي والعرقي.

هذه الحملة لا تعني إلغاء عذابات الآخرين أو المآسي الأخرى التي يعانيها البشر هنا أو هناك، من حروب ومجاعات وأمراض، بل هي تعزز الشعور الإنساني أكثر وتجعله على درجة من الرهافة عالية، والشعور الإنساني النقي يفعل في كل موضع نفس الفعل، شريطة أن ينفعل بشكل تلقائي لا بافتعال سياسي.

يقال هذا الكلام على خلفية بعض الاجتهادات «الباردة» التي بزغت هذه الأيام للتقليل من حملة سكب دلو الثلج العالمية هذه بدعوى: وماذا عن مشكلتنا نحن ومصيبتنا؟ هذا منطق شديد الأثرة وعديم البصيرة، فكونك تشيد بحملة من هذا النوع يجعل الآخرين يتعاطفون معك في مأساتك، وعلى العكس كلما كانت مأساتك أشد، ومع ذلك تحاملت على نفسك وتعاليت على جراحك وتضامنت مع مأساة بعيدة، كان ذلك أدعى لانتباه الآخرين لمعاناتك. هذه الاجتهادات قامت باستنساخ حملة سكب دلو الثلج من خلال تحريف فيها عبر تغيير دلو الثلج إلى دلو رمل أو طين ورماد!

نعم هذا جرى في غزة، إذ نشرت هيئة الإغاثة التركية مقطع فيديو لمديرها في قطاع غزة، قال فيه قبل سكبه دلو رمل على رأسه، حسب «سي إن إن» العربية: «هناك رسالة هامة لكم لإفشال لعبة الثلج والماء البارد الخاصة بالصهاينة والعلمانيين.

بديلا عن اللعبة التي أوجدوها لتكون رسالة مهمة للعالم الإسلامي، هؤلاء الأطفال منذ شهور تسقط على رؤوسهم القنابل، ويبقون تحت هذه الحجارة والأنقاض، على الأقل نريد من العالم الإسلامي، وخاصة من زعمائهم وخاصة من أئمتهم، وخاصة من علمائهم، أن يقوموا ويأخذوا دلوا من الرمل ويصبوه على رؤوسهم».

وبرز مقطع لمؤدٍّ كوميدي فلسطيني سكب فيه مثل صاحبنا التركي على نفسه دلو رمل لا ثلج، وقال: «إحنا إلنا بأطفال غزة إلى عم تنهد بيوتهم عليهم».

ليس أكثر إساءة لمعنى غزة وجراحها وأطفالها من تصرفات كهذه، وتبعث برسالة سيئة عن التمركز حول الذات وشطب كل المآسي والجراح الأخرى للعالم، إلا جراحنا ومأساتنا. كلما أحسست بالآخرين أكثر، أحسوا بك أيضا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث