مدن الصيف: الواد سيد البواب

مدن الصيف: الواد سيد البواب

سمير عطا الله

يروي رزيارد كابوشنسكي أنه وصل إلى القاهرة عام 1961 من فرصوفيا، في طريقه إلى الهند، وفي حقيبته تنكة جعة، وفي اليوم التالي قرر التخلص منها، فخرج إلى الشارع يبحث عن نقطة قمامة يرميها فيها. لدى وصوله إلى النقطة الأولى، تطلع خلفه فرأى ناطور المبنى القريب يراقبه، فأكمل طريقه. عند النقطة الثانية تطلع حوله فرأى ناطورين يراقبان حركاته، فمشى. وفي النقطة الثالثة رأى ثلاثة. بعدما تعب من المشي، عاد إلى الفندق ومعه التنكة الفارغة.

يقول هذا الصحافي الكبير، القادم من بلاد المخابرات في أوروبا الشرقية، إن جيشا من المخبرين تفيض بهم القاهرة.. عيون وآذان المدينة. لكن هؤلاء ليسوا مفترين ولا أردياء.. أناس مهمشون وجدوا لأنفسهم عملا ما في الدولة، أو بالأحرى في الوطن.. هذا ما يملكونه في حماية مصر، وسوف يقدمونه.

هؤلاء لم يكونوا رجال صلاح نصر.. ليسوا رجال الأقبية والتعذيب والصراخ، الذين ملأوا بلاد الثورات العربية التي قامت في ظلام الثكنات.. هؤلاء بسطاء قيل لهم: «عينكم على الأجانب والغرباء». وكانوا بسطاء لدرجة لا يعرفون معها كيف يخفون مهمَّتهم الإضافية هذه. فالعم عبده ليس بوابا عند سكّان العمارة، بل هو، تقريبا، شاويش، وإنما بلباس مدني.. طاقية وجلابية. والعم عبده ليس بائع زهور في الدقّي، بل هو تقريبا باش شاويش، له كلمة مسموعة عند البيه بتاع الدائرة.

هذا الجيش من الشوّاش تم تكبير دوره على الطريقة السوفياتية، بحيث يشعر الإنسان بالخوف منذ لحظة الخروج من منزله إلى لحظة العودة إليه. وهذا لا يعني ألا يخاف داخل المنزل أيضا. وكان محمد سيد أحمد يروي أنه إذا أراد أن يقول شيئا لأي من زملائه، كان عليهما الخروج بعيدا عن جدران المكاتب أو المنازل أو المطاعم.

لا تقوم الدول من دون أمن ومخابرات، لكنها لا تقوم على المخابرات وحدها. يأتي يوم فيحدث كل شيء بعيدا عن عيونها وآذانها وسلطتها. نظام زين العابدين بن علي كان مقفلا، فإذا شاب يبيع الفواكه يُشعل نفسه ويشعل النظام. جهاز مخابرات العقيد كان الأعتى وسقط. الجهاز العراقي والسوري كان يدوِّن حركة التنفس، فإذا به لا يعرف أن الدولة مهددة بالسقوط.

أخفق صلاح نصر في أن يبلغ مصر بأهم موعد في تاريخها؛ «5 حزيران».. جنَّد الفنانات والرقاصات ضد المعارضين وليس ضد الأعداء. ارتبط تاريخ المخابرات بهزيمة الإنسان العربي أمام جميع تحدياته: السيادة الوطنية، والدولة الوطنية، والحرية الفردية، والتقدم والنمو، وبسط الكفاية، ورفع التعليم. اهترأت الوحدة المصرية – السورية بين قبضته. وفقد النظام القديم نصف بلاد العرب، ثم فقد نفسه. كانت مصر وعدا بهيّا من وعود العالم الثالث.. مشروع هند عربية.. مشروع تصنيع وري وفكر وآفاق. دمَّرت الهزيمة كل شيء. فلنصلِّ جميعا من أجل قيامتها من جديد.

إلى اللقاء..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث