تطفيف مجلس الأمن!

تطفيف مجلس الأمن!
المصدر: محمد الرميحي

أخيرا انتبه الجميع لصواب رأي الدبلوماسية السعودية، بأن لا تشغل كرسيا في مجلس الأمن العام الماضي، ثمة خلل جوهري في آلية العمل الدولي. لقد أصبح مجلس الأمن من المطففين، وانتقل من الدفاع المطلق عن السلم العالمي إلى الانتقائية غير المبررة، ومسايرة هذا النوع من التطفيف نوعا من الكذب السياسي المنفر أخلاقيا، فقد صدر قرار مجلس الأمن بالإجماع (الدول الخمس الكبرى) وبقية الأعضاء، رقم 1270 باعتبار «داعش» و«النصرة» حركات إرهابية، ووجوب محاربتهما على مستوى دولي، كما أدان مموليها، ذاك شيء مرحب به، كما وضع القرار سالف الذكر عددا من الأسماء (كلها من دول الخليج) على أنها تمول الإرهاب. وهذا شيء لا اعتراض عليه. كما يقوم الرئيس باراك أوباما بتوجيه نيرانه إلى العراق، وهو الرابع بعد ثلاثة رؤساء، فعلوا مثله، بوش الأب، وبوش الابن وكارتر، الثلاثة فعلوا ذلك بقرار واضح، إلا أن أوباما يعود من جديد، منافيا ما قرره في السابق، الخروج من العراق، إلى الاشتباك النشط! في توقيت فرض عليه ولم يختره.

مجلس الأمن سوابقه قليلة، بل نادرة، أن يتخذ قرارا، ليس ضد دولة، ولكن ضد تجمع هلامي مسلح وضد أفراد ويطلب من المجتمع الدولي محاربة تلك الجماعة، التي يصنفها العالم بـ«الإرهابية» بكل الوسائل الممكنة. لا أحد يجادل، وهو في عقله الواعي، أن تلك الجماعات إرهابية، وخارج الدولة، وليس لأي دولة في المنطقة أو خارجها، أية سلطة عليها، بصرف النظر عما يدعيه البعض أو يروج له. وهنا تكمن المشكلة، هل تلك الجماعات «الداعشية» أو «النصراوية» هي الوحيدة في المنطقة التي تقوم بفعل الإرهاب؟ الجواب، لا، فهناك عدد من الجماعات المسلحة التي تقوم بذلك، وقد صنفت عالميا بأنها «جماعة إرهابية» وليس بعيدا عن ذلك الوصف «حزب الله» في لبنان، وأيضا «الحوثيون» في اليمن، ومعهم جماعة «القاعدة في جزيرة العرب» والسؤال: لماذا فقط على «داعش» و«النصرة» ومموليهما يصدر قرار دولي ملزم بحربهما (مرة أخرى هو قرار مرحب به)، ولكن يتجاهل «مجلس الأمن» في نفس الوقت بقية الجماعات الإرهابية، هل لأنها أقل خطرا من «داعش» و«النصرة»؟ ربما، ولكن إذا أضفنا إلى ذلك عنصرا آخر، هو أن العالم يعرف من يمول ويسلح ويدعم دبلوماسيا، حزب الله والحوثيين (على سبيل المثال) تكبر علامات الاستفهام، ويحتار المراقب الفطن في تكييف تلك المكاييل التي يقاس بها فعل ما على الصعيد الدولي!

الحرب ضد «داعش» هي حرب لإنقاذ المنطقة من شرور ضخمة يمكن أن تؤول إليها، ولكن الآخرين أيضا هم في ثياب «دواعشية» لا تختلف أفعالهم من حيث النتيجة ولا حتى من حيث الشكل، عن أفعال «داعش» و«النصرة» ومن أتبعهم، ثم إن الحديث عن بعض مواطنين خليجيين وتسميتهم في قرار دولي، يجب أن يدق جرسا مسموعا في كل الدوائر التي تتخذ القرار في دول الخليج، ذلك لا يجعل المجتمع الدولي في منأى عن المساءلة، لأن البعض سوف يسأل، وماذا عن الدول التي تناصر أشكالا أخرى من الإرهاب، وتعطل أعمال دول عربية إلى حد قريب إلى فشل تلك الدول في إدارة شؤونها كمثل (لبنان واليمن) وما هو الإجراء الدولي الذي يتوجب أن يتخذ، من تلك القوى ومموليها حتى يستقيم الأمر؟.

على مقلب آخر، ثبت الآن بما لا يدعو إلى الشك، إن تباطؤ أو تجاهل أو تقاعس (أي المفردات تفضلها للتوصيف) الإدارة الأميركية في فهم المتغيرات في المنطقة، والعمل بمقتضاها، كانت له نتائج كارثية. لقد أضحى مؤكدا أن سياسة آخر رئيسين للولايات المتحدة (بوش وأوباما)، رغم تعاكسها في المظهر، أدت إلى إشاعة نفس النتائج، الفوضى والحروب، يد ثقيلة بلا خطة عند الأول، ويد مكفوفة بلا خطة عند الثاني. لقد كان تجاهل الإدارة (الأوبامية) الذي جرى لسنوات للقتل المنظم على نطاق واسع، وبأشد الأسلحة فتكا في سوريا، أحد العوامل لاندلاع الفوضي، وهو من المفاصل غير المبررة للإدارة الأميركية الأوبامية، لا سياسيا ولا أخلاقيا. مهما قيل تذرعا من أن الشعب الأميركي لم تعد له (معدة) تستطيع أن تهضم حربا أخرى، أو أن الوضع المالي العالمي لم يكن يساعد على تمويل حرب في الشرق الأوسط، أو أي من تلك التبريرات. لقد كان الموقف المتخاذل للإدارة الأميركية تجاه أحداث سوريا هو موقفا آيديولوجيا، ومصلحيا لمجموعة البيت الأبيض، وليس حتى لأميركا بالمطلق، وهو الذي سهل لكل التداعيات السلبية التي جرت حتى الآن، وها هي الإدارة الأميركية وحلفاؤها يعودون من جديد من النافذة في حرب «داعش»، بعد أن خرجوا من المنطقة من الباب، دون شعور كبير بالمسؤولية، في حرب توصف بـ«التدخل الذكي» ولكن الحصيف يعرف أن «داعش» لها امتدادات في سوريا أيضا، فما هم فاعلون هناك؟ من المنظور الاستراتيجي إن لم يكن الهدف استخدام القوة هو تقليع كل أظافر (الإرهاب) من خلال إعلان كل الجماعات خارج الدولة، مهما تعددت مذاهبها أو ممولوها، إنها تعرض الأمن والسلام الدولي للخطر، في أي بقعة كانت، سواء العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان!

أما العلاج المؤقت وإشهار النيات من خلال قرارات مجلس الأمن لن تؤتي أُكلها، فقد أصبحت المنطقة بكاملها مصدر تهديد للوضع العالمي، كما أن كثيرا من دولها قابل للتفكيك، وعلاج ذلك يحتاج إلى رؤية كلية لا جزئية.

على سبيل المثال، فإن المهاجرين إلى أوروبا الفارين من نير الحروب العبثية، قد تضاعف هذا العام (2014)، فحسب أرقام هيئة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إن أرقام اللاجئين غير القانونين قد وصل حتى الربع الثاني من هذا العام إلى 120 ألف لاجئ، لا يدخل في الرقم من لم يصل إلى اليابسة وغرق في البحر أو اختنق في صهاريج سيارات الشحن! معظم هؤلاء من منطقة الشام والعراق وشمال أفريقيا.

بحرب «داعش» اضطرت السياسة الأميركية لأن ترفد جيش البشمركة الكردي بالسلاح المتقدم، وهو الآن أقوى مجموعة مسلحة ومدربة في العراق، وذات عقيدة موحدة، يبلغ عددهم، كما تقول المصادر الدولية، نحو 120 ألف مقاتل، هذا الأمر قد يأخذ المنطقة إلى صراع جديد، في ضوء رغبة الأكراد العراقيين أن يستقلوا بمنطقتهم، الأمل القديم الجديد، ومع شيء من المرونة السياسية، يمكن أن يفعلوا ذلك، خصوصا في خضم الخلاف العبثي بين ساسة بغداد، ويتعرض العراق إلى تقسيم، حذر منه كثيرون! لقد أدى تقاعس الإدارة الأميركية وتطفيف مجلس الأمن، من بين عوامل أخرى، إلى كل هذه الفوضى المشاهدة، وعلاجها رسم استراتيجية كاملة، لا العلاج الموضعي.

آخر الكلام:

التوقيت في العمل السياسي مهم كأهمية الأدوات المستخدمة، وواضح أن هناك خللا عميقا في التوقيت لمواجهة مشكلات الشرق الأوسط، ما زال قائما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث