عالم بلا كُتّاب

عالم بلا كُتّاب
المصدر: زياد الدريس

أعود اليوم للكتابة، بعد إجازة تمددت من شهر إلى شهر ونصف، كما يعود الطالب الكسول من إجازة الصيف الطويل إلى المدرسة.

يدرك الكاتب أن دوره في المجتمع «هامشي» عندما ينقطع عن الكتابة مدةً من الزمن ثم يعود فلا يجد شيئاً في الحياة قد توقّف أو تعطّل بسبب غياب مقالاته!

الحقيقة التي لا يريد الكتّاب الاعتراف بها هي أنهم ليسوا ضروريين للمجتمع بل إن المجتمع هو الضروري لهم، فلولا مشكلات المجتمع وإخفاقاته لما وجد الكتّاب شيئاً يكتبونه.

قال قائلٌ منهم: لكنّ الكتّاب هم الذين يساهمون في تعزيز النجاحات وإبرازها، وفي تحليل الإخفاقات وتفكيكها.

هذا الزعم صحيح إلى حدود ضيقة جداً، إذ هو ينطبق على فئة ضئيلة من الكتّاب هم المخلصون الصادقون. والخبر السيئ هنا هو أن أغلب، وأؤكد على أغلب وليس كل، الكتّاب المخلصين الصادقين هم كتّاب ضعفاء عادة وقدراتهم الكتابية والإقناعية محدودة، وذوو نمطية موغلة في الرتابة.

لماذا؟!

لأن أغلب، وأؤكد على أغلب وليس كل، الكتّاب المتمكنين البارعين «العفاريت» لا يتركهم السوق هكذا أحراراً يزاولون صدقهم وإخلاصهم كما يشاؤون، بل يختطفهم (السوق) ليعيد برمجة صدقهم وإخلاصهم حسب الحاجة. ومن استطاع من القلة الضئيلة من هؤلاء الكتّاب / العفاريت أن يفلت من الاختطاف هو الذي سيغضب، بصدق وإخلاص، من مقالي هذا!

عدا القلة القليلة من الصادقين / المتمكنين، فإن الكتّاب عموماً يُساهمون في إرباك المجتمع وتشويش القراء باطروحاتهم المبنية على إملاءات نفعية، بوعي أو من دون وعي، تزيّن القبيح و تقبّح الجميل … حتى يرى حَسَناً ما ليس بالحَسَن.

لا أتحدث هنا عن الكاتب العربي فقط، بل عن كل الكتّاب في كل مكان. الفارق أن الكاتب الغربي مثلاً قد يجد صعوبة في تزييف المعلومة لكنه يمارس التزييف في تحليلها وتفسيرها وتوظيفها، فيما لا يجد الكاتب العربي صعوبة أو غضاضة في تزييف المعلومة أصلاً ثم ليكون صادقاً مخلصاً في تفسير وتحليل المعلومة المزيفة تلك وتوظيفها كما يشاء.

هل أعني بحديثي هذا أن «أغلب» الكتّاب هم مرتزقة؟!

الإجابة ستكون مؤلمة، ولذا فإني أفضّل الهروب والانشغال بتفكيك معنى (مرتزقة).

يظن البعض أن الارتزاق هو فقط الابتذال من أجل كسب المال واللهاث خلفه بأي ثمن. هذا تفسير صحيح لكنه تفسير ناقص، فالذين يكتبون بحثاً عن المنصب بأي ثمن هم أيضاً مرتزقة، والذين يكتبون بحثاً عن الشهرة بأي ثمن هم مرتزقة.

ويبقى التأكيد أن الباحثين عن الشهرة أنواع ومراتب، أشدها دناءة من يكتب كي يستفز الناس كي يشتموه فيشتهر!

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث