أمريكا الفلسطينية!!
أمريكا الفلسطينية!!أمريكا الفلسطينية!!

أمريكا الفلسطينية!!

خيري منصور

الجغرافيا وحدها لا تكفي رغم ديكتاتوريتها وعجز الدول عن تغيير جيرانها فهذا قدر لا فكاك منه، والتاريخ بمعناه الأشمل وبجدليته العصية على التدجين في مجرى واحد وباتجاه مصب واحد يلعب أحياناً دور البطولة في مقاربات ومباعدات تحالفية بحيث يكون الأبعد آلاف الاميال أقرب أحياناً من الجار الذي نسمع شخيره.

وما قدمته دول أمريكا اللاتينية من مواقف راديكالية لفلسطين في هذه الآونة الحرجة يتجاوز التضامن بمعناه التقليدي إلى المناصرة واقتسام الخندق الواحد، لهذا ليس على سبيل المجاز أو التلاعب بالكلمات تسمية دول تلك القارة الساخنة بأنها أمريكا الفلسطينية، ففلسطين الآن أوسع بكثير من مساحتها الجغرافية وتعدادها ليس ديمغرافيا فقط ما دامت الفلسطنة قد زحفت على العولمة، وأصبحت غزة هي الجاذب الآسر لكل من تبقوا على قيد ضمائرهم ولم تسحقهم جرافات الاستهلاك والعدمية واللامبالاة.

ومواقف أمريكا الفلسطينية ليست طارئة أو مباغتة إلا لمن يجهلون تاريخ هذه القارة، فقادة ثوراتها التي بشرت بالانعتاق من الولايات المتحدة تعرضوا لمئات المحاولات من الاغتيال، وثمة عبارة شهيرة لفيدل كاسترو قالها لجان بول سارتر عندما أجرى حواراً معه هي أن السكر حلو في أفواه وحلوق العالم كله إلا أنه مُر كالعلقم في أفواه الكوبيين!

وحين ودع الفنزويليون وتوائمهم في تلك القارة شافيز لم يجد أفضل من وضع سيف سيمون بوليفار على جسده.

والمواقف السياسية لا تصدر عن أطراف أو أفراد مزاجياً أو موسمياً، بل هي من إفراز ثقافة ومناخات مثبوتة في البلدان، والثقافة التي تشربتها أمريكا اللاتينية أو أمريكا الفلسطينية خلال القرن الماضي كانت مشبعة بالمناعة والعصيان على وريث الكولونيالية الأمريكي الذي بشر بنهاية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية لكنه عاد ليستأنف هذه المهمة القذرة بأساليب أشد مكراً وتحت عناوين مضللة، أشبه بالطعم الذي تصطاد به الشعوب رغم أنه مقدود من لحمها ونخاعها.

إنها إذن قسمة عادلة.. فهناك أمريكا إسرائيلية مقابل أمريكا فلسطينية، فالكونغرس اسم مستعار لكلنيست، والبيت الأبيض لم يعد أبيض بل هو أشد سواداً من بيت تحول إلى طلل في غزة!

لن يكون هذا العدوان الاختبار الأخير سياسياً وأخلاقياً للعالم، لكنه انعطافة حاسمة في مطالع هذا القرن وبالتأكيد سيكون هناك ما هو قبل غزة 2014 وما هو بعدها، فالجغرافيا لم تعد هي المعيار الحاسم لأن التاريخ أصبح له أيضاً خطوط طول وعرض وخط دم بدلاً من خط الاستواء.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com