العراق: العبادي بعد المالكي.. ثم ماذا؟

العراق: العبادي بعد المالكي.. ثم ماذا؟

عبد الوهاب بدر خان

ليس هناك أكثر وضوحاً مما شاهدناه الأسبوع الماضي في العراق. عودة قوية للتفاهم الأميركي- الإيراني على شخصية رئيس الوزراء المقبل. وهي تثير تساؤلات كثيرة من أهمها: هل كان هذا التفاهم يقتصر حصرياً على الشخص من دون السياسات، وهل أن تجديده يشمل شخص حيدر العبادي والسياسات المتوقعة منه؟

بالنظر إلى تجربة نوري المالكي وتداعياتها الكارثية على بنية النظام العراقي، وطالما أن الجميع يعرف أن واشنطن وطهران هما اللتان تنصّبان رئيس الوزراء، لذلك يُفترض ألّا يبقى «تفاهمهما» سرّياً تُنسج حوله التأويلات والتكهّنات، بل يُستحسن ويتوجب أن يكون شفافاً وعلنيّاً. فهما دولتان مهمّتان دولياً وإقليمياً ولا يمكن الاعتقاد بأن تفاهمهما يتعلّق بمَن يكون في هذا المنصب وليس – أيضاً – بماذا يريد فلان أو فلان أن يفعل بالمنصب ومن خلال المنصب. أكثر من ذلك، هناك أطراف أخرى عراقية أولاً، وعربية تالياً، ودولية – إقليمية ثالثاً، معنية بالعراق ومؤثرة ومتأثرة بأحداثه، التي هزّت العالم أخيراً، وبالتالي لا يكفيها أن تتبلّغ بالإيماءات التي مفادها تغيير الشخص وإبقاء السياسات عائمة.

يقتضي التصارح القول بأن الولايات المتحدة وإيران، اللتين عيّنتا المالكي ودعمتاه في أخطائه وتجاوزاته حتى اللحظة الأخيرة، شريكتان في فشله. صحيح أنه يمكن الاستغناء عنه ولا سبيل إلى إقصائهما، إلّا أنهما مطالبتان بتصحيح ركائز تفاهمهما والمفاهيم المعتمدة لاستكمال بناء النظام العراقي «الجديد» الذي لم يتبلور بعد، وإن كان قطع شوطين كبيرين، أحدهما في دفع الفيدرالية نحو استقلال/ انفصال مرجّح للكرد، والآخر في تثبيت هيمنة «شيعية» ذات أذرع ميليشيوية على الدولة ومؤسساتها.

وإذا كان هذا الوضع يُعزى إلى «الأمر الواقع»، فكيف يستقيم في هذه الحال اعتراف الدستور بما يسمّى «التعددية»، وكيف يمكن تفسير الانهيار المتعاظم لاحترام الأقليات المسيحية والإيزيدية والتركمانية وغيرها منذ أعوام عدّة وتحت حكم المالكي؟ الواقع أن أي نقد أو «محاكمة» لتجربة هذا الأخير في الحكم لا بد أن يكونا أيضاً نقداً ومحاكمة لـ «التفاهم» الأميركي – الإيراني، الذي سلّم مصير بلد كبير ومعقّد لرجل استأثر بالحكم مستقوياً بحزب عقائدي لم تكن له تجربة في الحكم.

تساؤلات أخرى مشروعة، من بينها مثلاً: لماذا لم يستطع هذا «التفاهم» تجنيب العراق (وسوريا) كارثة «داعش» إذا كان الطرفان الأميركي والإيراني يعنيان قولهما إنهما ضد هذا التنظيم وضد إرهابه وانتشاره؟ فإيران طرحت نفسها محاربةً لـ «التكفيريين» في سوريا، وقدّمت «جهادها» (كما تسميه) هناك، بالاعتماد على «حزب الله» والميليشيات العراقية، «جهاداً» ضد الإرهاب، وتبيّن أنها في حقيقتها حرب ضد المعارضين السوريين ولم تحصل فيها أي مواجهات مع «داعش»، بل على العكس كان هناك شبه تنسيق ضمني بين هذا التنظيم الإرهابي وأجهزة النظام السوري في السيطرة على مناطق المعارضة، وفي الوقت نفسه يشتبه بأن الإيرانيين لعبوا أدواراً مباشرة وغير مباشرة في التسهيلات اللوجستية للمجموعات الإرهابية التي جرى تهريبها من سجن التاجي البغدادي قبل توجيهها إلى الأراضي السورية وبعض المناطق العراقية.

أما الولايات المتحدة التي لم تفوّت مناسبة دولية «لدعم الشعب السوري (!)» إلا تحدثت فيها عن الإرهاب ومجموعاته التي غزت سوريا وتنشط في العراق، لكن واشنطن تغاضت عن دور إيران وأتباعها في سوريا، وعن تهاون أمني تركي حيال تدفق المتطوّعين للقتال، ولم تقرّ في الوقت المناسب تسليحاً للمعارضة السورية يمكّنها من مواجهة «داعش» و«جبهة النصرة» وصدّهما (كما بيّنت هيلاري كلينتون في كتابها إذ تبنّت مع ديفيد بترايوس خطة للتسليح). لذلك يعتبر الكثير من الخبراء أن واشنطن تتحمّل مسؤولية (غير مباشرة؟) عن المساهمة في تضخّم قوة «داعش». وإذا أضفنا نقصاً استخبارياً فادحاً، فإن هذه المسؤولية تتضاعف، غير أنه يصعب تصديق فشل استخباري كهذا، تحديداً لأن العديد من العواصم الإقليمية أرسل إشارات إنذار إلى الأميركيين والأوروبيين، كما أن أربيل حذرت قبل شهور من سقوط الموصل، قائلة بأن «داعش» يتمدّد على نحو بالغ الخطورة، ولدى العديد من الأجهزة في المنطقة معلومات ملتقطة عن قنوات اتصال وروابط بين «داعش» وأجهزة غربية.

هناك تراشق بالاتهامات بعدما وقعت الواقعة. يصعب تأكيد أي معلومات خصوصاً أن دولاً متهمة بأدوار مريبة ومشتبه بها تتصدّر حالياً حملة التجييش ضد «داعش». ما يمكن تأكيده أن هناك تداخلاً وتشابكاً بين الأدوار، وأن أحد أبرز الأهداف كان ولا يزال الاستفادة من واقع أن العراق وسوريا صارتا بؤرتين جاذبتين للمتطرفين وساحتي صراع طائفي ومذهبي، وكلما طال هذا الصراع كلما كان ذلك أفضل بالنسبة إلى الدول الغربية. الأصعب سيكون إعادة تأهيل الجيش العراقي انضباطاً ومعنويات وتوفير الغطاء السياسي الأمثل كي تتمكّن قوات الجيش من ضرب «داعش» ودحره من دون أن تتهم بالفئوية الطائفية. ومن أهم العناصر لتأكيد هوية الجيش أن تكون هناك حكومة بحد أدنى من التوافق وبحد أقصى من التمثيل للمكوّنات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث